الأمينُ فِي ذِكرَى الشَّهادةِ
احترام عفيف المُشرّف*
مرّ عامٌ وتلاه عام، وما زالت غصّة رحيله ومرارة فراقه لم تفارقنا. غاب شخصه عن نواظرنا، ولم يغب عن خواطرنا. رحل جسده عنا، وبقي أثره فينا. رحل الأمين، وبقيت صدى كلماته ونهجه في سويداء قلوبنا؛ إنه الحاضر الغائب، وسماحة العشق الأزلي، السيد حسن نصر الله، رضوان الله عليه.
وها نحن نكتب في ذكرى رحيله؛ ذلك اليوم الذي خنقنا فيه الحزن، وأدمى قلوبنا الفراق لسيد المقاومة. كيف لا، وهو من أيقظ فينا روح المقاومة، ورسّخ فينا حقيقة وهن عدونا وحتمية انتصارنا عليه. نكتب في ذكراه، وقد تحولت الدموع إلى صمود على دربه الذي خطّه لنا بدمه واستشهد فيه.
واليوم نقف في هذه الذكرى لكي لا ننسى عظمة هذا القائد الذي استولى على القلوب قبل العقول، وأطاعته الأرواح قبل الأبدان، والذي كان من فلتات الزمان التي لا تأتي إلا ندراً، ومن القادة الذين قلّما يجود بهم القدر. وهو الذي جعل لقوى محور المقاومة حاضنةً شعبيةً كبيرةً، ليس في لبنان فحسب؛ وذلك لما كان لكلماته من قوة تأثير في نفوس متابعيه، الذين لم يكونوا يستمعون له بعقولهم فقط، بل بقلوبهم. والقلوبُ إذا أصغت أستمعت ولبت وأطاعت، وكذلك هي الجوارح؛ وهذا هو سر سماحة السيد حسن نصر الله: الحب، وما أدراك ما الحب إذا كان هو القائد لصاحبه والمرشد له!
ومهما كتبنا والآخرون فلن نفيه حقه. وهنا نستذكر وصفاً جميلاً يليق بسماحة السيد حسن نصر الله، للباحث والدكتور الفلسطيني سيف دعنا، يوم وداعه إذ يقول: "أن العالم اليوم يودع القائد الأممي التحرري الأهم السيد حسن نصر الله الذي شكل نقطة تحول كبرى في تاريخ الثورة العالمية.. إن استشهاد السيد حسن كانت التضحية الأقسى والأصعب والأغلى، وأصعب الامتحانات التي ربما مررنا بها، وربما لن نمر بمثلها. لا يمكن، في الحقيقة، أن نجد ما يمكن أن يُقال في حق السيد، لإيفاء ولو قليلٍ من حقه على فلسطين، وعلى الأمة، وعلى الإنسانية".
واليوم لايمكن أن نجد ما يمكن أن يُقال بحق السيد، لإيفاء قليل من حقه على فلسطين، وعلى الأمة، وعلى الإنسانية. لكن يحضر في ذهني ما جاء في التقليد الصوفي الإسلامي عن فئة قليلة ومختارة من الناس ومن البشر، تُسمّى الأوتاد. وهؤلاء يُقال إن الله يحفظ بهم العالم، ويُوصفون بأنهم ضنائن الله، وضنائن الله هم الذين يَضِنُّ الله بهم عن الفساد، كما جاء عن الرسول الكريم عن أمثال السيد حسن: "إن لله ضنائن من خلقه، ألبسهم من نور الصدق، يحييهم في عافية ويميتهم في عافية".
وقال ابن عربي في الفتوحات المكية عن هذه الفئة: "إن الله يقيم بهم الأرض، ولذلك يُعطون اسم الأوتاد. والأوتاد هي الجبال؛ فالجبال كأوتاد الأرض تمنع ميلانها وتثبتها في مستقرها". واستُعير هذا اللفظ هنا للأبدال والأوتاد لأن وجود هذه الفئة القليلة على الأرض يمنع أهلها من الفساد، ويبقيهم على حال الإصلاح والاستقامة، فلا تنخسف بهم.
من هنا، يُعدّ هؤلاء الأوتاد قوة الخير المضادة في هذا العالم لقوى الشر والخراب والفساد والخيانة التي تملأ الكون؛ فهم قوة الإنسانية وروحها التي تمنح الحياة معناها وتوازنها في مواجهة الدمار. وهم حقاً كالجبال التي تحفظ الأرض من الميلان، وتحمي الإنسانية.
وهكذا كان سيد شهداء الأمة، السيد حسن نصرالله، من ضنائن الله ومن أوتاد هذه الأرض، مسيرته كمسيرة الأنبياء والأئمة من آل النبي محمد؛ إذ أفنى عمره ثائراً مقاوماً، ومكافحاً زيغ المتنفذين الغارقين في الفساد والخيانة.
وكان رضوان الله عليه، كما قال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في تأبين مالك الأشتر (وهو ما يتسق مع معنى الأوتاد): "فَلَوْ كَانَ جَبَلًا لَكَانَ فِنْداً، وَلَوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً، لَا يَرْتَقِيهِ الْحَافِرُ وَلَا يُوفِي عَلَيْهِ الطَّائِرُ". وكما قال الإمام علي أيضاً في سياق متصل: "لا أرى مثله بعده أبدًا".
ونحن في ذكرى وداعك يا سيدي حسن نصر الله، نجدد لك العهد بأننا سائرون على نهجك، ومقاومون على طريقك، حتى النصر أو ننال شرف الشهادة على طريق القدس. ونعم وعد الله حق ووعده الحق والصدق، وهو القائل سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾..
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

