رسول حسين ابو السبح *

ليس السؤال اليوم لماذا توقفت الرحلات الإيرانية في بعض المطارات العراقية، بقدر ما هو سؤال أعمق يتعلق بحدود القرار الوطني العراقي، وقدرته على أن يبقى مستقلاً عندما تستخدم الولايات المتحدة أدوات العقوبات والضغط الاقتصادي لفرض رؤيتها على دول المنطقة، فالمشهد الأخير لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إجراء يتعلق بالطيران أو بتنظيم حركة الرحلات، لأن خلفه سؤالاً سياسياً أكبر، إلى أي مدى تستطيع الدول العربية أن تدير علاقاتها ومصالحها بعيداً عن الإرادة الأمريكية؟.

وبحسب ما أوردته تقارير صحفية، جاء توقف الرحلات الإيرانية إلى مطار بغداد في سياق التهديد الأمريكي بفرض عقوبات على الجهات التي تقدم خدمات للناقلات الإيرانية، وهنا تظهر واحدة من أكثر أدوات النفوذ تأثيراً في السياسة الدولية، فالقوة الكبرى ليست بحاجة دائماً إلى إصدار أمر مباشر إلى حكومة ما، بل تستطيع أن تجعل تكلفة مخالفة إرادتها مرتفعة إلى درجة تدفع المؤسسات والشركات والدول إلى إعادة حساباتها وفقاً لما تريده.

وهذا تحديداً ما يجعل القضية العراقية جديرة بالنقاش، فإذا كانت الحكومة العراقية قد وجدت نفسها أمام خيار التعامل مع الرحلات الإيرانية أو مواجهة تبعات العقوبات الأمريكية، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط، ماذا فعلت الحكومة؟ بل أيضاً، لماذا وصلت الدولة العراقية إلى مرحلة يصبح فيها قرار يتعلق بعلاقاتها مع دولة جارة مرهوناً بحسابات العقوبات الأمريكية؟.

العراق ليس دولة بعيدة عن إيران جغرافياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، هناك حدود مشتركة ومصالح واسعة وحركة دينية وتجارية وشعبية كبيرة بين البلدين، ولذلك فإن أي قرار يمس طبيعة التواصل بين العراق وإيران لا يمكن اختزاله في الجانب الفني أو الإداري، إنه قرار له ابعاد سياسية واقتصادية وسيادية، ومن حق الرأي العام العراقي أن يعرف على أي أساس اتُخذ، وما البدائل التي كانت أمام الحكومة، وهل كان القرار عراقياً خالصاً أم جاء نتيجة ضغوط خارجية.

المسألة هنا لا تتعلق بإيران وحدها، ولا ينبغي اختزالها في سؤال، من مع إيران ومن ضدها؟ فالخلاف السياسي مع إيران أو تأييدها لا يلغي السؤال الأهم المتعلق بمبدأ السيادة، فإذا كانت دولة ما قادرة على استخدام منظومة العقوبات للضغط على شركات ومؤسسات داخل دولة أخرى حتى تغير الأخيرة طبيعة علاقاتها مع دولة ثالثة، فإننا أمام نموذج يتجاوز الحالة الإيرانية إلى قضية أوسع تتعلق باستقلال القرار السياسي والاقتصادي لدول المنطقة.

وهنا نصل إلى السؤال الذي يبدو أكثر إلحاحاً، متى يستفيق الوعي العربي أمام الكوارث التي تصنعها السياسات الحكومية، وأمام الضغوط الخارجية التي أصبحت تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية والسياسة والاقتصاد والعلاقات بين الدول؟

لقد اعتاد المواطن العربي أن يتعامل مع الأحداث باعتبارها أخباراً منفصلة، إغلاق مطار، إلغاء رحلة، عقوبات اقتصادية، أزمة سياسية، قرار حكومي، ثم ينتقل إلى خبر آخر، لكن الوعي الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن هذه الأحداث ليست منفصلة دائماً، وأن وراء كثير منها شبكة من المصالح وموازين القوى والضغوط التي تحدد ما تستطيع الحكومات فعله وما لا تستطيع.

فالطائرة التي لا تهبط في مطار ليست مجرد طائرة، والرحلة التي تُلغى ليست مجرد جدول سفر، والشركة التي تتردد في تقديم خدماتها ليست مجرد شركة تبحث عن مصالحها التجارية، أحياناً تكون هذه التفاصيل الصغيرة انعكاساً مباشراً لموازين سياسية أكبر، وتكشف مقدار تأثير القوى الدولية في القرار الوطني.

ومن هنا فإن المطلوب ليس وعياً غاضباً يكتفي بالشعارات، ولا وعياً حزبياً يرى الأحداث من زاوية واحدة، وإنما وعي سياسي حقيقي يسأل، من يملك أدوات الضغط؟ من يتخذ القرار؟ ما الخيارات المتاحة أمام الحكومة؟ من يدفع ثمن القرار؟ وهل تستطيع الدولة أن تحمي مصالحها عندما تتعارض مع رغبة قوة دولية كبرى؟

إن العراق، وهو بلد عانى طويلاً من التدخلات الخارجية ومن صراع الإرادات الدولية والإقليمية على أرضه، بحاجة إلى نقاش أكثر صراحة حول مفهوم السيادة. فالسيادة لا تعني فقط وجود مؤسسات دستورية أو رفع العلم على الحدود، وإنما تعني أيضاً قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها وفق مصالحها الوطنية، وأن تكون علاقاتها مع جيرانها ودول العالم نابعة من حساباتها ومصالح شعبها، لا من الخوف الدائم من العقوبات والضغوط.

وقد يختلف العراقيون والعرب في موقفهم من إيران، وهذا أمر طبيعي في المجال السياسي، لكن الاختلاف مع إيران لا ينبغي أن يتحول إلى قبول تلقائي بأي ضغط أمريكي عليها أو على الدول التي تربطها بها علاقات، كما أن تأييد إيران لا يعني تجاهل الأسئلة المتعلقة بالسياسة العراقية ومصالح العراق، المعيار الذي ينبغي أن يحكم النقاش هو، ماذا يخدم استقلال القرار العراقي ومصلحة الشعب العراقي؟

وهنا تحديداً ينبغي أن يستفيق الوعي العراقي. ليس المطلوب أن يتفق الجميع على موقف سياسي واحد، وإنما أن يتفقوا على حقهم في معرفة الحقيقة، ومساءلة حكوماتهم، وفهم طبيعة الضغوط التي تحيط بقراراتها، وعدم السماح بتحويل العقوبات والتهديدات الخارجية إلى أمر طبيعي لا يحتاج إلى نقاش.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تتعرض دولة لضغط خارجي، فهذا أمر يحدث في العلاقات الدولية، وإنما أن يصبح الضغط الخارجي أمراً معتاداً إلى درجة لا يعود المواطن يسأل عنه، عندها تتحول السيادة من ممارسة سياسية إلى مجرد شعار، وتصبح القرارات التي تمس مصالح الشعوب قابلة للتغيير بمجرد أن تلوّح قوة كبرى بالعقوبات.

ولذلك فإن قضية الرحلات الإيرانية ليست مجرد قضية طيران، كما أن الموقف منها ليس مجرد موقف من إيران، إنها فرصة لإعادة طرح سؤال أكبر وأكثر أهمية، هل تستطيع دولتنا أن تصنع قراراتها بنفسها، وأن تدير علاقاتها وفق مصالح شعوبها، أم أن العواصم الكبرى ما زالت قادرة على رسم الحدود التي تتحرك ضمنها حكومات المنطقة؟

ربما يكون السؤال الأصعب اليوم ليس، لماذا أغلقت المطارات أو توقفت الرحلات؟ وإنما، متى يصبح لدينا وعي يسأل لماذا، ومن قرر، وتحت أي ضغط، ومن المستفيد، ومن يدفع الثمن؟.

فعندما يبدأ المواطن بطرح هذه الأسئلة، لن يعود مجرد متلقٍ للأخبار، بل سيصبح قادراً على قراءة ما وراءها، وعندها فقط يمكن الحديث عن وعي قادر على مواجهة الكوارث قبل أن تتحول إلى واقع مفروض لا يملك الناس أمامه سوى التسليم.

* كاتب عراقي
* المقال يعبر عن رأي الكاتب