صِناعة الراديكالية.. كَيف يتحول السياسي الوسطي إلى راديكالي بفعل الحرب؟ ولماذا لا تفعل إيران ما فعلته اليابان؟
أسـامـة أبـو عُـمـر*
قبل قليل قرأت تصريح للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يقول به "سنواصل المقاومة حتى النهاية، لدينا مشاكل بالاقتصاد ولكن من أجل البقاء سنتجاوز الصعاب ونتحملها".
المُهتم بالشأن الإيراني والمنطقة سيعلم أن "أنصار محور المقاومة" إنتابهم شعور بالخوف عند فوز مسعود بزشكيان بالإنتخابات الإيرانية بعدما قتل الرئيس السابق "إبراهيم رئيسي" في حادثة تحطم الطائرة.
بزشكيان من التيار الإصلاحي في إيران وكان مشروعه الإنتخابي قائم على التهدئة الدبلوماسية والانفتاح على رفع العقوبات والتفاهم مع أمريكا.
وصل بزشكيان إلى السلطة وتسلم زمامها في تاريخ 30 يوليو 2024 مستندًا إلى قاعدة شعبية ترغب في إنقاذ الاقتصاد الإيراني من براثن التضخم والعقوبات وكان خطابه الأول يعتمد على فكرة "التوازن" حيث سعى لتقديم وجه أكثر براغماتية للغرب بهدف إحياء المفاوضات النووية وتحسين المستوى المعيشي للإيرانيين.
ولكن سُرعان ما انقلبت الأمور مع الحرب الدائرة الأن بين إيران وأمريكا والاحتلال الصهيوني بعد موجة الاغتيالات التي تم شنها على إيران في 28 فبراير 2026 وكان على رأسها قائد الثورة في إيران "علي خامنئي" وباتت إيران في قلب العاصفة مُجبرة على القتال ولا يوجد لها أي مخرج ولا وسيلة تستخدمها من الصبر الاستراتيجي أو العض على الأصابع أو الحوار الدبلوماسي لإبعاد خطر الحرب عن نفسها.
اليوم في تاريخ 25 سبتمبر 2026 يخرج علينا الرئيس الإيراني بالتصريح الذي أوردناه بداية المقال وهذا بعد زيادة العقوبات ووضع اقتصادي أسوأ من قبل الحرب وظروف معيشية ليست الأفضل في إيران فكيف حدث هذا التحول العكسي من الاعتدال السياسي إلى الراديكالية بالخطاب؟
الوسطية والاعتدال ليسا مجرد خيارات أيديولوجية مجردة بل هما نتاج طبيعة تفكير تؤمن بالحد الأدنى من العقلانية وتؤمن بإمكانية الحلول الوسط وتحتكم إلى قواعد مشتركة ولكن عندما تندلع حروب الإبادة وتُمارس قوى الهيمنة كأمريكا والاحتلال الصهيوني عنفًا وحشيًا يتجاوز كل الأعراف الأخلاقية والقانونية فإن أول ما تغتاله آلة الحرب هو "المنطقة الرمادية"، في لحظات التهديد الوجودي تتحول الوسطية من فضيلة سياسية إلى انتحار جماعي وتصبح الراديكالية هي الاستجابة الطبيعية والوحيدة لضمان البقاء بإختصار لا يمكن أن ترتدي بدلة أمام من يريد إبادتك وإنهاء حضارتك وقتل أبنائك إنما جُعبة.
الخطاب الإصلاحي أو الوسطي يُبنى دائماً على فرضية أن الخصم يمتلك قدرًا من العقلانية يسمح بالتفاوض وأن هناك مساحة لتحقيق مكاسب مشتركة لكن الإجرام المفرط ينسف هذه الفرضية من جذورها.
عندما يرى الفرد أو المجتمع أن القنابل لا تفرق بين مدني وعسكري وأن البنية التحتية تُدمر بالكامل ويسعى للمحو والإلغاء وتدمير الحضارة تسقط فورًا لغة "التسويات"، العنف المفرط يفرض معادلة صفرية وفي هذه المعادلات يبدو السياسي المعتدل وكأنه يتحدث بلغة منقرضة مُتعزلة من عالم آخر لا تلائم واقع الدماء والأشلاء مما يدفع الجماهير والنخب على حد سواء نحو تبني مواقف أكثر تصلبًا وراديكالية.
من المنظور الاجتماعي والنفسي لا ينبغي فهم التحول نحو الراديكالية في أوقات الحروب على أنه "تطرف" فكري مفاجئ بل هو استجابة مناعية طبيعية للمجتمعات التي تتعرض للصدمة تمامًا كما يرفع الجسد درجة حرارته بشدة لمواجهة فيروس قاتل ترفع المجتمعات المستهدفة من درجة حرارتها الأيديولوجية والسياسية لمواجهة خطر الفناء في ظل مشاهد المجازر والتواطؤ الدولي يصبح الحديث عن "الإصلاح الاقتصادي" أو "الاندماج في المجتمع الدولي" ترفًا وتصبح "المقاومة" والتمسك بالمبادئ هي الدرع الواقي الأخير، العنف الخارجي يجبر المجتمع على التخندق والتخندق بطبيعته يلفظ المواقف المرنة.
سيقول أحدهم ولماذا لا تفعل إيران الأمر الذي فعلته اليابان وتستسلم، ولو نظرنا اليوم لليابان فهي دولة متطورة وذات اقتصاد قوي ولكن هذا كان بعد الاستسلام لأمريكا، سأقول هُناك عدة مفارقات ونقاط تجعل الأمر مُختلف تمامًا ولا يوجد فيه أي مقاربة رغم أن إيران تمتلك كل الإمكانيات حتى تصبح دولة "مُتقدمة" ضمن المعايير الغربية الحديثة تمتلك ثالث احتياطي نفط، ثاني احتياطي غاز، جُغرافية متعددة مفتوحة على عدة دول والبحر وأمامها مضيق هرمز وأرض خصبة للزراعة ولديها بُعد ثقافي وحضارة تاريخية ولكن لماذا لا يمكن أن تكون إيران اليابان الثانية.
أولًا.. العقيدة القتالية والثورية
في اليابان استطاع الإمبراطور "هيروهيتو" أن يأمر جيشه وشعبه بالاستسلام والتخلي عن الطبيعة الإمبراطورية العسكرية مع الحفاظ على شرعيته الرمزية والمؤسسة اليابانية تكيفت مع الواقع الجديد لأن جوهر الأمة اليابانية لم يكن مرتبطًا عضويًا بمحاربة أمريكا، بل بالتوسع الإمبراطوري الذي فشل.
أما النظام الإيراني الحالي، ففلسفة وجوده ودستوره ومؤسساته العميقة مثل الحرس الثوري تأسست شرعيتها على فكرة "مواجهة الاستكبار العالمي أمريكا وإسرائيل واستشهاده الحسين "عليه السلام" في كربلاء الاستسلام أو التنازل الشامل لا يعني فقط تغيير سياسة خارجية، بل يعني الانهيار الكامل لشرعية نظام "ولاية الفقيه"، بالنسبة للقيادة الإيرانية الاستسلام ليس خطوة نحو التنمية بل هو انتحار سياسي وأيديولوجي يمهد لإسقاطها من الداخل قبل الخارج.
ثانيًا…الجغرافية السياسية
اليابان جزيرة معزولة يسهل السيطرة عليها وكانت أمريكا في حاجة لها في ظل الحرب الباردة كقوة صناعية واقتصادية أما إيران تقع في المنطقة الأشرس في العالم وأي تنازل ستقدمه سيتم نهشها من الجميع لأن هذه المنطقة قائمة على البقاء للأقوى.
ثالثًا…طبيعة الشعوب
شعوب المنطقة العرب والتُرك والفُرس والكُرد ليس من السهل عليهم النسيان إذا لم يتعرضوا لغسيل دماغ شديد ينتد لعشرات الأعوام سيبقى نداء الثأر حاضر في وجدان الكثير على عكس شعوب شرق آسيا التي من الممكن أن تتعايش مع قاتلها وتنسى ما حصل لها عبر الزمن وهذا ما نراه من اليابان.
رابعًا…الواقع الميداني
اليابان تم تدمير اسطولها ورمي قنبلتين نوويات عليها وهرمت هزيمة ساحقة أما إيران إلى هذه اللحظة لم تهزم وتقاتل وترامب نزلت أهدافه من اسقاط النظام إلى محاولة فتح مضيق هرمز.
في النهاية ما حدث مع الرئيس الإيراني هو نموذج مصغر لهذه الظاهرة الإنسانية والسياسية الرجل الذي جاء حاملاً مشروعًا وسطيًا وجد نفسه أمام آلة حرب لا تقرأ رسائل التهدئة بل تعتبرها ضوء أخضر لمزيد من التوحش والاغتيالات ، الإجرام الأمريكي والإسرائيلي لم يترك له مساحة ليكون "إصلاحيًا" لقد أُجبر على ارتداء عباءة الراديكالية لأن البديل لم يكن سوى الاستسلام أو الفناء وهذه هي هندسة العنف، المعتدي هو من يصنع راديكالية الضحية كل قنبلة وصاروخ وقذيفة تُسقط على مناطق مدنية وكل سياسة حصار وتجويع لا تدمر المباني فحسب بل تحرق جسور الاعتدال وتخلق أجيالاً وقيادات لا ترى في العالم سوى ساحة معركة لا مكان فيها لأنصاف الحلول.
* ناشط فلسطيني
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

