السياسية || محمد محسن الجوهري*

من أكثر المفارقات الصارخة التي تجسد حالة الانحطاط الأخلاقي والازدواجية في المنطقة، هي تلك المتاجرة المستمرة بالعروبة والخطاب القومي من قِبل دول الخليج، في الوقت الذي تُمارس فيه أعتى صور التمييز والعنصرية ضد الإنسان العربي على أرض الواقع. فلو كنت تحمل وثيقة سفر عربية، فإن دخولك إلى أي قطر خليجي يعادل المروج من سم الخياط؛ إذ أصبح الجواز العربي خياراً غير مرحب به، ويُعامل حامله بعين الشك والريبة في بلدان طالما صدحت إعلامياً بوجود الرابطة الأخوية والمصير المشترك.

في المقابل، تتجلى هذه الازدواجية في أبشع صورها حين يُستقبل حامل الجواز الغربي استقبال الفاتحين، وتُفتح له الأبواب على مصراعيها، ويُمنح التأشيرة والإقامة الفورية فور وصوله إلى المطار دون عناء أو تعقيد. هذا التباين الشاسع لا يعكس سوى حجم التبعية والانسحاق أمام الغرب، مقابل نظرة استعلاء وعنصرية حاقدة تجاه المواطن العربي الذي يُجرد من كرامته لمجرد انتماء أصله وجوازه لهذه المنطقة.

ولعل الأدهى من ذلك هو موقف حكام الأقطار العربية الأخرى؛ فلو كان هؤلاء الحكام يمتلكون أدنى مقومات الحرية والاستقلالية، لاتخذوا مواقف صارمة وحاسمة تجاه هذه الإهانة المتكررة بحق شعوبهم. وكان أضعف الإيمان أن يفرضوا مبدأ "المعاملة بالمثل"، فلا يُسمح لحامل الجواز الخليجي بدخول أراضيهم إلا وفق ذات الشروط والقيود التعجيزية التي تُفرض على مواطنيهم.

لكن هؤلاء الحكام، وبسبب عبوديتهم المطلقة للمال وارتهان مصالحهم الخاصة، ارتضوا هذا التمييز والمهانة ضد الشعوب التي يحكمونها. لقد قبلوا بالصمت والخضوع مقابل السماح لهم ولعائلاتهم بالدخول الآمن والمجاني إلى تلك الدول، واستثمار الأموال المنهوبة التي هرّبوها من ثروات أوطانهم، تماماً كما هو حال نظام "آل عفاش" وغيرهم من لصوص الوطنية الذين باعوا كرامة شعوبهم مقابل ملاذات آمنة وحسابات بنكية منتفخة.

وتتجلى هذه المنظومة بأبشع صورها في نظام الكفالة المُطبق في دول الخليج، وهو النظام الذي يُجمع العديد من الحقوقيين والمنظمات الدولية على تصنيفه كشكل حديث من أشكال الاستعباد السلعوي والتبعية القسرية. يربط هذا النظام الإقامة القانونية وحق البقاء في البلاد بإرادة شريحة محدودة من المشغلين أو "الكفلاء"، ما يمنح الكفيل سلطة شبه مطلقة على حياة العامل المهنية والشخصية؛ بدءاً من التحكم في حقه في تغيير العمل أو المغادرة، ووصولاً إلى مصادرة وثائق السفر وحرمانه من حرية التنقل. هذا الاحتكار القانوني يضع العمالة -ولاسيما العربية منها- تحت تهديد مستمر بالترحيل القسري أو الإدراج على قوائم "الهروب"، مما يُجرّد العامل من إرادته الحرة ويجبره على القبول بشروط عمل مجحفة، وساعات عمل مجهدة، وأجور متدنية، في بيئة تُسلب فيها الكرامة الإنسانية ويُختزل فيها الكائن البشري إلى مجرد ملكية خاصة أو خدمة يُتحكم بمصيرها بضغطة زر.

كما تتجلى هذه العنصرية العارية في الحياة اليومية لسوق العمل الخليجي؛ حيث تُصنّف الوظائف والمرتبات والمميزات السكنية والصحية لا بناءً على الكفاءة والشهادات العلمية، بل استناداً إلى لغة الجواز ولون البشرة. ففي الوقت الذي يتمتع فيه "الخبير" الغربي بامتيازات خيالية ورواتب فلكية، يُضغط على الكفاءات العربية وتُبخس أجورهم لمجرد أنهم يحملون وثائق رسمية تصدر عن أقطار عربية. بل إن نظام الكفالة سيئ السمعة يتخذ في تعامله مع العامل العربي طابعاً استعبادياً مضاعفاً، يُسلب فيه حقه في التنقل وتغيير العمل أو حتى العودة إلى وطنه دون إذن "سيده" الكفيل.

أما شواهد الواقع في المنافذ الحدودية، فتروي قصصاً من الإهانة الممنهجة التي يتعرض لها المواطن العربي؛ إذ يُفاجأ الآلاف بوقف إصدار التأشيرات لجنسيات بعينها بصورة جماعية ومفاجئة، لمجرد اندلاع أزمة سياسية أو وجود تقارير أمنية مجردة، فتُقطع أرحام العائلات المشتتة ويُحرم الأب من رؤية أبنائه أو المقيم من العودة إلى عمله. وفي الحين الذي تُفرش فيه السجادات الحمراء للسياح الغربيين في الفعاليات والمهرجانات دون الحاجة حتى لإبراز جواز سفرهم إلا عند بوابات الوصول، يُترك العربي رهينةً لتدقيق أمني لا ينتهي، وتفتيش مهين يتجاوز إجراءات السلامة ليلامس استهداف الهوية والشخصية.

وهنا يتأكد أن عروبة الخليج ليست إلا لخدمة الصهيونية وحسب، إذ لا يُستدعى هذا الشعار إلا عند الحديث عن الجمهورية الإسلامية بغرض تسويق العداء معها بلسان "الدفاع عن البوابة الشرقية للأمة والعروبة" وتهيئة البيئة والتسويق لقطار التطبيع المجاني؛ حيث تُستبدل رابطة الدم والتاريخ العربي بتحالفات أمنية واستخباراتية مع الاحتلال، لتثبت هذه السياسات أن "العروبة" لدى هذه الأنظمة ليست هوية ولا انتماءً، بل مجرد أداة وظيفية تُستغل لتبرير التحالفات الأجنبية وتغطية التنازل عن القضايا المصيرية للأمة.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب