السياسية || محمد محسن الجوهري*

"قال تعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ».

هذه الآية -وكما هو معروف- وردت في علاقة أمة محمد بآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين. فأمة محمد -وكما نعرف جميعا- تعاني من الاستبداد منذ أن رحل عنها نبيها صلوات الله عليه في القرن الأول الهجري في سنة 11 هجرية. ومنذ ذلك اليوم ويتناوب على حكمها الطواغيت والقتلة والظالمون والتكفيريون. فلم يكد يمر عام على وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدأت أول فتنة تكفيرية في تاريخ الأمة، وهي لا تزال الحدث المؤسس والملهم لكل التكفيريين حتى يومنا الحاضر.

وعندما يأتي من يحرر الأمة من داخل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ممن قال الله فيهم: «لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا»، عندما يأتي من يحرر هذه الأمة، تنتفض الأمة ضده وتفضل أن تبقى تحت الاستعباد على أن تتحرر على يدي آل محمد صلوات الله عليهم.

وهكذا حال الأمة منذ ذلك اليوم وإلى اليوم. وفي عصرنا الراهن، برز السيد حسن نصر الله سلام الله عليه كأحد عترة محمد صلوات الله عليهم وأحد المنافحين عن الأمة والمدافعين عنها والمطالبين بتحريرها من كل أشكال الاستعمار، وفي البداية الاستعمار والاحتلال الصهيوني الجاثم على قلب الأمة وعلى أهم جزء من جسدها.

وكان ظهور السيد حسن -ومن قبله السيد عباس الموسوي رضوان الله عليهم- فرصة للأمة أن تتحرر من ربق العبودية للصهاينة، ولكنها وبدلا من أن تتحرر قررت أن تعاديهم وأن تشمت حتى بمقتلهم، بل بلغ الأمر بالنظام السعودي أن يمول بنفسه عملية الاغتيال. ولو أنهم نصروا السيد حسن نصر الله لانتصروا ولكانوا أحراراً ولسلمت لهم دنياهم ودينهم، ولكنهم يفضلون العبودية لليهود على الحرية تحت راية آل محمد صلوات الله عليهم.

الأمر أيضا ينطبق علينا هنا في اليمن؛ فنحن نعلم مدى الاستعباد الذي مارسه آل سعود بحق الشعب اليمني، فكل كبير وصغير في اليمن تحت أقدام آل سعود، بداية ممن يمسك منصب رئيس الجمهورية؛ فالحاكم الفعلي لهذه البلاد دائما من الرياض. وبلغ الأمر بآل سعود أن أعدموا رئيسا من رؤساء اليمن في صنعاء، وحولوا من بعدها الشعب كله إلى عبيد لهم؛ بدليل أننا كنا نرى في نظام علي عبد الله صالح العميل أن لك الحق في أن تشتمه هو في الصحافة وفي غير الصحافة، ولكن لم يحق لك في تلك الفترة أن تسيء للنظام السعودي أو أن تنتقده، لأن آل سعود كانوا هم الحكام الفعليين لليمن. وحتى اليوم، لا يزال الكثير من أبناء شعبنا يفضل العبودية للسعودية على أن يكون حراً تحت راية آل محمد.

ونحن نستذكر شهادة السيد حسن نصر الله، والعام الثاني على رحيله عنا، نستذكر عظم المأساة وعظم الكارثة التي منيت بها الأمة، وما كانت لتبتلى بها لولا أنها قررت أن تبدل نعمة الله كفرا، وأن تحل قومها -وهم آل محمد- دار البوار، وأن تتخلى عن أسباب القوة لديها، وهم يعلمون علم اليقين أن هؤلاء هم أحرار الأمة وقادتها والدعاة إلى دينها، ولكنهم قرروا أن يكونوا تحت العبودية. ولذلك لا عجب أن يقول الله سبحانه وتعالى: «جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ» لأنهم اختاروا العبودية.

والله سبحانه وتعالى اشترط علينا أن نعيش أحرارا مقابل عبوديتنا له، فالعبودية لله تعني الحرية في هذه الحياة، فالحر لا يرضى لنفسه أن يكون عبدا لغير الله سبحانه وتعالى. وآل محمد هم هدية الله لنا لنكون أحرارا في هذه الأرض، ولذلك وجب على الشعوب المستضعفة أن تدعي: «وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا» حتى نتحرر تحت راية الله من الطغاة والبغاة في هذا العالم.

نستذكر السيد حسن رضوان الله عليه ونعلم أنه قد رحل إلى ربه، وأنه اليوم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأن الخاسر من بعده هي الأمة نفسها التي قررت أن تفضل العبودية على أن تتحرر، والتي تدفع اليوم ثمن خذلانها لآل محمد، وها هي اليوم تحت أقدام اليهود، وها هم يمارسون الخس بحق هذه الأمة. وما نراه في سورية من انتهاكات إسرائيلية بشكل مذل ومخزِ للحكام السوريين الجدد إلا سيئة واحدة من تداعيات خذلان الأمة لآل محمد ومن تداعيات استشهاد السيد حسن نصر الله.

فالأمة لن تتحرر الا عندما تقدم أحرارها وتستن بسنة الحق في هذا الكون، وهي أن تأتم بأئمة الهدى من آل محمد. ونحن بإذن الله كشعب يمني سنظل نقاتل تحت راية آل محمد كل الطواغيت والمستكبرين، ولن نقبل بأي شكل من الأشكال أن نكون عبيداً لغير الله، فعبوديتنا لله تقتضي أن ننصر أهل الحق، وأن نكون أوفياء لأهل الوفاء. ولذلك سنظل على هذا المبدأ حتى نلقى الله سبحانه وتعالى، وفي غيره من الدروب الهلاك في الدارين.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب