السياسية || محمد محسن الجوهري*



كانت العاصمة السعودية بمنأى عن الدمار لو أنها تجنبت العدوان على الشعب اليمني، لكنها اختارت منذ البداية التصهين نهجاً، وانتهت تحت قيادة رعناء تنساق وراء المخطط الصهيوني بلا حسابات، لتتحول إلى مدينة منكوبة بكل ما تعنيه الكلمة. وها هي اليوم تتعرض لما فرضته يوماً على صنعاء بدعاوى هزيلة وغير مبررة.


وكلنا نعلم أن النظام السعودي يعادي اليمن منذ تأسيسه، كجزء من مخططه القائم على تدمير الأمة، إلا أن الحكام السابقين كانوا يمارسون ذلك سراً عبر وكلائهم من شخصيات وجماعات متطرفة. غير أن غباوة بن سلمان ورطت الرياض في عدوان مباشر لأول مرة، ليجني بذلك على دولته وأبنائه. فأمن السعودية قائم على المال لا على الرجال، وتاريخ إهانات ترامب الشهيرة لعجز قادتها يؤكد أنها أقرَب للهلاك لولا الحماية الأمريكية. ولو كانت السعودية تقف منفردة أمام اليمن لخسرت المعركة مبكراً، وما تجرأت على شن أي عدوان.

وبما أن بن سلمان تسرع في عدوانه، فعليه أن يدفع الثمن غالياً. فمهما اختلف اليمنيون، تبقى حساباتهم موحدة تجاه السعودية؛ وحتى لو أخفى البعض موقفه، فإن قادم الأيام ستكشف حقد اليمنيين كافة على آل سعود، إذ تتوحد مصلحتهم في الخلاص من هذا النظام. وحتى مرتزقة حزب الإصلاح سيأتي اليوم الذي يدعّون فيه أن الخلاص من آل سعود كان بفضلهم، زاعمين أن اجتماعاتهم في الرياض كانت لإنقاذ اليمن، تماماً كما يدعّون اليوم أنهم أسقطوا نظام صالح وأن تحالفهم السابق معه كان لنفس الغاية—فهؤلاء بلا عهد ولا ذمة، ومن يراهن عليهم يحترق بنيرانهم.

وأمام ذلك، ستشهد الرياض كوارث متعاقبة تتبخر معها مشاريعها المزدهرة على خرائب الأمة، لتلقى المصير نفسه الذي أرادته لعواصم الجوار. وحينها سيحتفي الجميع بسقوط النظام السعودي، وتستعيد بلاد الحرمين مكانتها الأصلية حاضنةً لكل المسلمين، لتتصدر الدفاع عن الأمة كعاصمة فعلية ينطلق منها المسلمون لتحرير القدس، التي ما سقطت بيد الصهاينة إلا بسقطة مكة بيد آل سعود. فهما كيانان سيان هلاك أحدهما من هلاك الآخر؛ ولذا ينبري آل سعود للدفاع عن تل أبيب، عاصمتهم الفعلية التي يتلقون منها أوامر زعزعة استقرار العواصم العربية والإسلامية.

وهكذا، تتقاطع حتمية التاريخ مع عدالة الجهاد لتؤكد أن مشاريع الهيمنة والاستقواء بالخارج مآلها الحتمي إلى زوال. فالتاريخ لا يرحم من فرّط في أمته ورهن مقدراتها، وبقدر ما تجرع الأهل في اليمن من ألم ومعاناة، بقدر ما تتكشف اليوم هشاشة العروش المصطنعة التي ظنت أن المال يمكن أن يشتري الأوطان والكرامات، إن الرهان على الأجنبي حبل قصير، وسقوط المظلات الوهمية للحماية الدولية لن يترك وراءه سوى فراغ استراتيجي وانهيار متسارع لمنظومة الطغيان. وإن غداً لناظره قريب، حين تتبدد أوهام القوة العابرة، وتتطهر أرض الحرمين الشريفين من كل مشاريع التبعية والتطبيع، لتستأنف الأمة الإسلامية دورها التاريخي، وتعود بوصلتها الحقيقية نحو العزة، والحرية، وتحرير مقدساتها المغتصبة.




* المقال يعبر عن رأي الكاتب