السياسية || محمد محسن الجوهري*

مرّ أكثر من مائة عامٍ على هيمنة النظام السعودي على القرار السياسي في البلاد العربية والإسلامية، وهي الهيمنة نفسها التي تقف خلف كل إنجاز عسكري أو استخباراتي حققه الصهاينة، وكانت سبباً في دمار الدول وتشريد الشعوب بداية من فلسطين، قبل أن تعمم الرياض التجربة على سائر الشعوب العربية خدمةً للعدو الصهيوني، الأمر الذي شجع الأخير على المسارعة في إكمال مخططه الأصلي وتأسيس "إسرائيل الكبرى"، كما هو معروف لدى الجميع.

وبالتالي، فإن النظام السعودي يمثل حجر الزاوية في المشروع الصهيوني. وأمام هذه القوة الشيطانية لا بد من وجود قوة أخلاقية تعمل على حماية المقدسات والأمم من الهلاك، ويتجلى ذلك في محور المقاومة، وتحديداً في الجبهة اليمنية التي لا تقف عند أي خطوط حمراء عندما يتعلق الأمر بالكرامة وثوابت الأمة. وقد نجحت صنعاء في فرض مشروعها القرآني كأمر واقع وكجبهة مناهضة للمشروع الصهيوني، وأثبتت أنها قادرة على قلب المعادلة لصالح الأمة بعد سنوات من افتقار العرب لمشروع تحرري يضمن لهم الكرامة والسيادة والحرية؛ وهي المبادئ التي يفتقدها العرب أكثر من غيرهم نتيجة التآمر الصهيو-سعودي عليهم.

وقد وفرت صنعاء بذلك طريقاً للحرية ومسلكاً موحداً للأحرار كافة، وبالفعل بات الكثير منهم يؤيدون التحرك اليمني علانية، بل ويراهنون على الانتصار اليمني ويناصرونه بمختلف الطرق والوسائل، على الأقل الإعلامية منها. ولم تعد الرواية السعودية تنطلي على أحد، وباتت مثار سخرية الجميع. وهذه مقدمة لفتوحات كبيرة في الأفق؛ لأن أغلب المشروع السعودي قائم على الدعاية الزائفة، وبتراجع هيمنته الإعلامية تتلاشى قبضته في العالم العربي. وحتى الأنظمة العميلة ستتخلى عنه مع تراجع العائدات المالية التي كان يوفرها لها، فالضربات النفطية والحصار البحري سيكلفان السعودية الكثير من الموارد، وسيضطرانها مجبرة إلى الانكماش والانكفاء على نفسها.

ولعل الضربات القاصمة ستأتي لآل سعود عن طريق شركائهم في الخليج، خاصة آل ثاني وآل نهيان، باعتبارهما النظامين الأكثر تضرراً من الغطرسة السعودية في الخليج. ولآل ثاني بالذات خبرة عتيقة في تأديب آل سعود من تحت الطاولة منذ أيام دولتهم الأولى، يوم تآمرت قطر مع السلطنة العثمانية لإسقاط الرياض وتسليمها لآل رشيد. فليس في العالم أكثر غدراً من آل سعود سوى إخوانهم من آل ثاني، وكلهم تخرجوا من المدرسة نفسها التي لا تؤمن بأي معايير أخلاقية، ولذلك نراهم يتحالفون حتى مع الشيطان بعضهم ضد بعض.

ومن هنا، لا يمكن التغافل عن أن اليمن اليوم هو الرافعة والعمود الفقري لأي مشروع تحرري نهضوي للأمة؛ فاليمن يقدم اليوم نموذجاً استثنائياً في تحطيم الهيبة الزائفة لقوى الاستكبار العالمي والشركاء الإقليميين، ويعيد إعادة ترتيب الأولويات القومية والإسلامية من نقطة صفر ارتهان. إن الدور اليمني المتصاعد لا يقتصر على صياغة معادلات الردع الميداني، بل يمتد ليكون شعلة الاستهداء لبعث الروح في الأمة وانتشالها من حالة الاستكانة والارتهان، مؤكداً أن معركة اليمن اليوم هي المبتدأ والخبر في تحرير القرار العربي، والمدخل الأساسي لطرد المستعمر وكسر أطواق التبعية التي كبّلت شعوبنا لأكثر من قرن من الزمان.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب