السياسية:





يظهر مؤتمر رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي عقده مساء أمس الاثنين، في كلمته كما في إجاباته على أسئلة الصحافيين، بوصفه محاولة منظّمة لإنتاج رواية "نصر" – دون نطق الكلمة - وذلك بعد اتفاق لم تكن "إسرائيل" شريكة في صياغة شروطه النهائيّة.


جوهر المؤتمر لم يكن شرح الاتفاق الأميركي الإيراني، ولا عرض بنوده، ولا تحديد آليات منع إيران من استعادة قدراتها، بل إعادة تأطير مجمل الحرب منذ 7 أكتوبر 2023 باعتبارها سلسلة إنجازات تاريخيّة قادها نتنياهو شخصياً، وانتهت إلى "إبعاد خطر الإبادة النووية والصاروخية عن إسرائيل لسنوات".

لذلك يمكن القول إن المؤتمر لم يكن خطاب انتصار بقدر ما كان خطاب ذو طابع دفاعي، في محاولة لإقناع الجمهور الإسرائيلي، والإعلام، والمعارضة، والحلفاء، بأنّ نهاية الجولة باتفاق لا تعني فشل "إسرائيل" أو خضوعها للقرار الأميركي.

السياق الذي يحكم الخطاب

جاء المؤتمر في لحظة شديدة الحساسيّة: إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الأميركي الإيراني، تزايد الأسئلة داخل "إسرائيل" حول حدود الإنجاز، بقاء النظام الإيراني قائماً، عدم حسم التهديد النووي بصورة نهائيّة، بل وعدم الحسم في أي جبهة، تراكم مؤشّرات التباين بين واشنطن والاحتلال في إدارة نهاية الجولة.

ضمن هذا السياق كان نتنياهو مضطرا إلى مواجهة سؤال مركزي غير معلن: هل انتهت الحرب عند النقطة التي أرادتها "إسرائيل"، أم عند النقطة التي قررتها الولايات المتحدة؟ ومن هنا جاءت بنية المؤتمر كلها كإجابة التفافيّة على هذا السؤال.

بماذا بدأ نتنياهو ولماذا؟

افتتح نتنياهو كلمته بالحديث عن نفسه لا عن الاتفاق. قال إن مكافحة التسلح النووي الإيراني هي "مهمة حياته"، وإنه وقف في وجهها لعقود وسيواصل ذلك. هذا الافتتاح شديد الدلالة، فهو ينقل مركز الخطاب من الدولة إلى الزعيم، ومن الاتفاق إلى السيرة السياسية، ومن الحاضر إلى رواية طويلة تبدأ من عقود ماضية. بهذه الطريقة أراد نتنياهو أن يقول إن ما جرى ليس نتيجة ظرفية فرضتها واشنطن، بل محطة في مشروع تاريخي قاده هو شخصياً. الافتتاح بهذا المعنى هو تأسيس لشرعية شخصيّة: أنا حذرت، أنا واجهت، أنا منعت، وأنا الضامن لعدم امتلاك إيران سلاحا نووياً.
لمن توجّه الخطاب؟

توجه نتنياهو إلى أربع دوائر في وقت واحد. الدائرة الأولى والأساس في الكلمة هي الجمهور الإسرائيلي، وخاصة جمهور الشمال والجنوب، الذي يريد إجابة عملية عن الأمن والعودة والازدهار. لذلك أكثر من مخاطبة "مواطني إسرائيل" وشكر صمودهم. الدائرة الثانية هي المعارضة والإعلام الإسرائيلي، وقد خاطبهم بصورة غير مباشرة عبر عبارات مثل "هناك من يقلل من الإنجازات" و"يصعب عليكم تقبل الحقيقة". الدائرة الثالثة هي الولايات المتحدة وترامب، حيث حرص على إظهار العلاقة بوصفها شراكة لا تبعية. أما الدائرة الرابعة فهي إيران ومحور حلفائها، وقد وجه إليها رسالة مفادها أن الاتفاق لا يلغي حرية العمل الإسرائيلية ولا ينهي الجاهزية العسكرية.

الرواية المركزيّة التي حاول تثبيتها

الرواية المركزيّة في المؤتمر هي الآتية: "إسرائيل" لم تنه الحرب لأنها عجزت، بل لأنها حققت هدفها الأساسي، وهو إبعاد خطر الإبادة النووية والصاروخية. لذلك كرّر نتنياهو أن "إسرائيل" أنقذت نفسها من خطر وجودي، وأن إيران كانت تندفع نحو القنبلة النووية وتحصين الصناعات النووية والصاروخية تحت الأرض. بهذا المعنى، استبدل سؤال "هل سقط النظام الإيراني؟" بسؤال آخر: "هل أُبعد خطر الإبادة عن إسرائيل؟". هذا التحويل في معيار التقييم هو قلب الخطاب كله.

توزيع الموضوعات داخل الكلمة

رغم أن المناسبة هي الاتفاق الأمريكي الإيراني، فإن الكلمة لم تتمحور حول الاتفاق. إيران حضرت في البداية بوصفها التهديد الوجودي، لكنها لم تكن وحدها محور الخطاب. أخذت جبهات غزة ولبنان وسوريا واليمن والضفة مساحة واسعة جدا، وكأن نتنياهو أراد تحويل المؤتمر من نقاش حول نهاية جولة إيران إلى جردة حساب شاملة للحرب منذ 7 أكتوبر. ويمكن تقدير الحضور الموضوعي على النحو الآتي: إيران والنووي والصواريخ شكلت الإطار الافتتاحي والشرعي؛ لبنان والشمال شكلا المساحة العملية الأبرز لإثبات الإنجاز؛ غزة استخدمت كدليل على استعادة الردع والقدرة على فرض واقع جديد؛ أما العلاقة مع الولايات المتحدة فحضرت كموضوع دفاعي في الأسئلة أكثر مما حضرت في الكلمة الافتتاحية.

غزة في الخطاب: من تهديد وجودي إلى نموذج قابل للتكرار

استخدم نتنياهو غزة بوصفها نموذجًا يريد تكراره في الشمال. قال إن إسرائيل تسيطر على أكثر من 60% من القطاع، وإن غزة لم تعد تشكل تهديدا حقيقيا، وإن غلاف غزة يشهد طلبا عاليا على السكن. الهدف من هذا الربط واضح: إقناع سكان الشمال بأن ما جرى في الجنوب سيتكرر عندهم، أي أمن ثم ازدهار. سياسيا، يحاول نتنياهو بهذا الطرح تحويل الحرب الطويلة من عبء على المستوطنين إلى مشروع إعادة تشكيل جغرافي أمني ينتج مناطق عازلة ويعيد الثقة بالسكن قرب الحدود.

الأسئلة الصحافيّة بوصفها كشفاً لنقاط الضعف

إذا كانت الكلمة الافتتاحية قد بنت رواية إنجاز ونصر، فإن الأسئلة كشفت مواضع الشك داخل هذه الرواية. أسئلة الصحافيين تمحورت حول أربع قضايا كبرى: هل تستطيع إسرائيل أن تقول "لا" لترامب؟ هل انتصرت فعلا؟ هل أخطأ نتنياهو عندما رفع سقف الأهداف تجاه النظام الإيراني؟ وهل الاتفاق الحالي يشبه الاتفاقات التي هاجمها نتنياهو حين كان في المعارضة؟ هذه الأسئلة تعني أن الإعلام الإسرائيلي لم يتلق المؤتمر كاحتفال بإنجاز صاف، بل كدعوة لاختبار فجوات الرواية الرسمية.

ما الذي قاله نتنياهو؟

قال نتنياهو إن "إسرائيل أزالت خطراً وجودياً"، ضربت النووي والصواريخ، كسرت "المحور الإيراني"، أضعفت حزب الله، أعادت رسم الوضع في غزة، أنشأت أحزمة أمنية، وستبقى في هذه الأحزمة ما دام ذلك ضرورياً. قال أيضاً إن العلاقة مع ترامب علاقة شراكة لا تبعية، وإن الاتفاق الأميركي لا يلغي المصالح الإسرائيلية، وإن "إسرائيل" ستمنع إيران من امتلاك سلاح نووي مع اتفاق أو من دون اتفاق. كما قال إن "إسرائيل اليوم أقوى من أي وقت مضى"، وإن التحالفات تعقد مع الأقوياء، وإنه سيواصل الترشح والانتصار سياسياً.

ما الذي لم يقله؟

لم يشرح نتنياهو بنود الاتفاق الأمريكي الإيراني. لم يحدد الضمانات العملية لمنع إيران من استعادة قدراتها. لم يذكر تكلفة الحرب على إسرائيل. لم يتوقف عند الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية. لم يعلن نصرا نهائيا واضحا، بل تحدث عن إنجازات كبرى ومعركة لم تنته. لم يقدم موعدا لنهاية الوجود في الأحزمة الأمنية. لم يعترف بوجود تباين جوهري مع واشنطن، بل غلفه بلغة الشراكة. ولم يكرر إسقاط النظام الإيراني كهدف مباشر، بل خففه إلى "خلق الظروف" التي قد تسمح للشعب الإيراني بالتحرك.

دلالة "ما قيل وما لم يُقل"

الُمقال المعلن هو أن إسرائيل انتصرت لأنها أبعدت خطر الإبادة. أما ما لم يُقل فهو أن إسرائيل لم تحقق كل ما رُفع من سقوف خلال الحرب، وأن الاتفاق جاء في لحظة لم تكن فيها تل أبيب وحدها صاحبة القرار النهائي. المقال يقول إن العلاقة مع ترامب شراكة، أما اللامقال فيكشف حاجة نتنياهو المتكررة للدفاع عن استقلاله أمامه. المقال يقول إن إيران تضررت بشدة، أما اللامقال فيعترف ضمنيا بأن النظام لا يزال قائما وأن الجولة المقبلة تبقى احتمالا مفتوحا. المقال يقول إن الأحزمة الأمنية ضرورة مؤقتة، أما اللامقال فيشي بأنها عقيدة أمنية جديدة قابلة للتحول إلى واقع طويل الأمد.

صورة نتنياهو عن نفسه في المؤتمر

بنى نتنياهو صورته على خمسة عناصر: صاحب مهمة تاريخية ضد إيران؛ القائد الذي لا يخضع للضغوط؛ صاحب الخبرة الأمريكية القادر على إدارة ترامب؛ مهندس العقيدة الأمنية الجديدة بعد 7 أكتوبر؛ والزعيم السياسي الذي لم ينته بل سيترشح وينتصر. هذا الحضور الكثيف للذات لا يمكن فصله عن السياق الداخلي الإسرائيلي؛ فالمؤتمر كان موجها أيضا لحماية مكانته السياسية، لا فقط لشرح نتائج الحرب.

العقيدة الأمنيّة الجديدة كما عرضها

العقيدة التي عرضها نتنياهو تقوم على الانتقال من الدفاع والرد إلى المبادرة والهجوم والمفاجأة، ومن الاعتماد على الردع البعيد إلى إنشاء أحزمة أمنية عميقة في غزة ولبنان وسوريا، ومن قبول تمركز الخصوم على الحدود إلى إبعادهم ميدانيا. في هذا المعنى، يقدم نتنياهو مرحلة ما بعد 7 أكتوبر بوصفها انقلابا في المفهوم الأمني: لا أنفاق على الحدود، لا قوات هجومية قريبة، لا انتظار للتهديد حتى ينضج، ولا انسحاب من مناطق عازلة ما دام الخطر قائماً.
العقدة الأمريكيّة في المؤتمر

العقدة الأميركية هي أكثر ما حضر في الأسئلة وأقل ما حُسم في الإجابات. نتنياهو حاول تقديم العلاقة مع ترامب بوصفها شراكة بين قائدين قويين، لكنه أقر أن إسرائيل لا تستطيع تجاهل ما تقوله الولايات المتحدة أو ما يجري في العالم. هذه الصياغة تكشف معادلة دقيقة: إسرائيل تريد حرية عمل، لكنها تحتاج المظلة الأمريكية؛ تريد استقلال القرار، لكنها لا تستطيع دفع كلفة التصادم مع واشنطن؛ تريد إظهار القوة، لكنها تعترف بأن دخول الجيش الأمريكي إلى المعركة كان عاملا حاسما في بناء التهديد العسكري الموثوق.

لماذا بدا المؤتمر دفاعياً؟

بدا المؤتمر دفاعياً لأن نتنياهو اضطر إلى الإجابة عن أسئلة لا يملك فيها حسماً كاملاً: النظام الإيراني لم يسقط، الاتفاق لم تكتبه "إسرائيل" وحدها، لبنان لا يزال مفتوحاً، الشمال لم يعد بالكامل إلى الاستقرار، وإيران لم تُلغَ من معادلة التهديد. لذلك عوض الحسم الناقص بتكثيف السرد: أرقام، إنجازات، أسماء، ساحات، اغتيالات، صواريخ، طلعات جوية، أحزمة أمنية، ووعود بالازدهار. كلما كان السؤال محددا، وسع نتنياهو الإجابة إلى خريطة الحرب كلها.

نقاط التقدير الأساسيّة

أولاً، نتنياهو يحاول نقل النقاش من شروط الاتفاق إلى نتائج الحرب. ثانيا، يعيد تعريف الأهداف بحيث تصبح قابلة للإعلان كإنجاز، لا كفشل. ثالثا، يستخدم لبنان والشمال كدليل تعويضي عن عدم حسم الملف الإيراني نهائيا. رابعا، يريد تثبيت الأحزمة الأمنية كعقيدة دائمة نسبيا، لا كإجراء عابر. خامسا، يحاول إخفاء التباين مع واشنطن خلف لغة الشراكة والحكمة والخبرة. سادسا، يعتبر أن بقاء التهديد لا ينفي الإنجاز، بل يبرر استمرار الجاهزية والعمل العسكري. سابعا، المؤتمر يكشف أن المعركة على الوعي داخل إسرائيل لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية نفسها.
دلالات خاصة بلبنان والجبهة الشماليّة

يجب التوقف عند إصرار نتنياهو على القول إن إسرائيل ستبقى في المنطقة الأمنية في لبنان ما دام ذلك مطلوبا. هذا يعني أن تل أبيب لا تقارب الجبهة الشمالية من زاوية وقف نار تقليدي، بل من زاوية واقع أمني جديد تريد فرضه ميدانيا وسياسيا. كما أن ربط الشمال بغلاف غزة يعني أن حكومة نتنياهو تريد تقديم نموذج: إبعاد الخطر، تثبيت منطقة عازلة، إعادة السكان، ثم تسويق الازدهار. وعليه، فإن الشمال ليس ملفا جانبيا في وعي القيادة الإسرائيلية، بل ساحة اختبار لمصداقية عقيدة ما بعد 7 أكتوبر.

دلالات خاصة بإيران
في الملف الإيراني، الخطاب يكشف أن نتنياهو انتقل من شعار إسقاط التهديد بصورة كاملة إلى إدارة التهديد ومنع تعاظمه. هو يصر على أن إيران لن تحصل على سلاح نووي، لكنه لا يقدم ضمانة نهائية سوى التهديد بالعمل المستقبلي. كما أنه يتحدث عن تصدعات داخل النظام الإيراني لكنه لا يستطيع تحديد موعد لسقوطه. هذا يعني أن إسرائيل تريد استثمار الضربة لإضعاف إيران وردعها، لكنها تدرك أن الملف لم يغلق. ولذلك يترك نتنياهو الباب مفتوحا أمام جولات لاحقة، من دون أن يعلن ذلك كفشل.

دلالات داخليّة إسرائيليّة

داخليا، المؤتمر يعكس أزمة ثقة بين الحكومة وجزء من الإعلام والرأي العام. الأسئلة لم تكن احتفالية، بل تشكيكية. الصحافيون سألوا عن السيادة، الفشل، التبعية، الاتفاق، والتناقض مع مواقف نتنياهو السابقة. هذا يدل على أن رواية النصر لم تستقر بعد داخل إسرائيل، وأن نتنياهو يحتاج إلى تكرارها وتحصينها. الأهم أنه اضطر إلى الدفاع عن نفسه سياسيا، حتى في مؤتمر يفترض أنه أمني، عندما أعلن أنه سيترشح وينتصر. وهذا يكشف أن المعركة السياسية الشخصية حاضرة بقوة داخل الخطاب الأمني.

الخلاصة النهائيّة

المؤتمر الصحافي لنتنياهو بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني هو نص دفاعي مركب أكثر منه إعلان نصر. أراد نتنياهو أن يقول إن الاتفاق لا يعني أن إسرائيل تراجعت، وإن بقاء النظام الإيراني لا يعني فشل العملية، وإن عدم حسم كل الجبهات لا يلغي الإنجازات، وإن العلاقة مع ترامب ليست تبعية، وإن الأحزمة الأمنية في لبنان وغزة وسوريا هي عنوان العقيدة الجديدة. لكن الأسئلة كشفت أن داخل إسرائيل من لا يزال يرى فجوات كبرى بين القول والفعل: فجوة بين شعار إزالة التهديد وبقاء النظام الإيراني، فجوة بين استقلال القرار الإسرائيلي والسقف الأميركي، فجوة بين وعد الأمن الكامل واستمرار الجبهات المفتوحة، وفجوة بين خطاب النصر والحاجة المستمرة إلى تبريره.

التقدير الأهم أن نتنياهو يحاول تحويل نهاية غير مكتملة للحرب إلى رواية انتصار. لذلك لم يكن مركز المؤتمر ما حدث في الاتفاق، بل ما يريد أن يبقى في وعي الإسرائيليين بعده: إن "إسرائيل كانت مهددة بالإبادة، وأن نتنياهو أنقذها، وأن المحور الإيراني تراجع، وأن الشمال والجنوب سيعودان إلى الأمن والازدهار، وأن أي انتقاد لهذه الرواية هو محاولة لتقزيم إنجاز تاريخي".

غير أن كثافة الدفاع، وحدة الأسئلة، وتكرار الحديث عن ترامب ولبنان وإيران، كلها تكشف أن الرواية لم تُحسم بعد، وأن الاتفاق فتح داخل "إسرائيل" معركة تفسير لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية التي سبقته.

* المادة نقلت حرفيا من موقع الميادين نت ـ الكاتب: قسم الشؤون الإسرائيلية