السياسية || علي مجمل حمزة*

تنهج السعودية في حربها على اليمن عدة مسارات مدروسة وليست وليدة هذه الفترة من الصراع؛ فقد بدأت مسيرة الوصاية مبكراً منذ حربها ضد الملكية، وعندما ضمنت انتصارها عليهم ساومتهم بين قبول الوصاية أو دعم الجمهورية. وعندما لم تنجح مساعي وصايتها مع الملكية، دعمت الثوار للسيطرة على اليمن الشمالي في وقته. وعند تولي الجمهوريين للحكم، حاولت كسب ولاءاتهم ليتحقق لها ما تريد، إلا أن الأوضاع لم تستقر بالشكل الذي ترغب فيه، ولم تهيئ الحكومة المضمون ولاءها حتى تمكنت من اغتيال الرئيس الحمدي بإشرافها المباشر ومساعدة المجموعة التي ضمنت ولاءهم ليقوموا بالاغتيال، ثم دعمتهم للسيطرة على مفاصل الدولة وملاحقة كل عناصر الحكم في ذلك الحين. وبعد أن استقر الوضع وشكلياً شكلت الحكومة التي ستدير حكم اليمن بإشرافها، توالت الأحداث إلى أن رغبت في تغيير أتباعها بأتباع ربتهم على الولاء ممثلين بحزب الإصلاح. وهنا نشبت حرب المصالح التي شاهدتها الرياض من بعيد، فهي تعلم أن الصراع كان لإثبات الولاء، فمن ينتصر سيكون تحت وصايتها.

لكن عندما اختلطت الحسبة بخروج "أنصار الله" من المعادلة عبر حربهم ضد الوصاية السعودية التي هي وصاية أمريكية أصلاً، تغيرت الأمور وأصبحت اليمن ضمن معادلة عالمية. وهنا اتضحت الرؤية بأن اليمن كانت تحت وصاية أمريكية وإسرائيلية لموقعها الاستراتيجي على بحر العرب والبحر الأحمر وما يميّزه باب المندب. لذا، أشعلت السعودية حربها عبر تحالف يضم أكثر من ثماني عشرة دولة وبتعاون لوجستي أمريكي وإسرائيلي، نتج عنه حرب استنزاف للبنية التحتية لليمن وتناحر بين أفراد المجتمع كاملاً.

وتسارعت الأحداث لتصل إلى ما عليه اليوم من تجهيز لجيش تحت رعاية السعودية بدعم مادي وتسليح وتدريب وشراء ولاءات قبلية. سينتج عن هذا الجيش صراع داخلي يمني-يمني يؤكد ما تدعيه السعودية من أنها لم تحارب اليمن وليس لها دخل بما يحصل من صراع، وأنها جاءت بطلب من حكومة المرتزقة الموالية لها أصلاً. هذا من ناحية؛
ومن جهة أخرى، ستتخلص من أتباعها الذين يستنزفون مواردها المالية من خلال إخراج "حكومة الفنادق" وإعادتهم ليقودوا الصراع، مع إيقاف دعمها للجيوش التي جهزتها سابقاً.

ومن جهة ثالثة، تسعى للخروج من تأثير الحصار البحري والعمليات في باب المندب، مستندة إلى تقديرات بأن "أنصار الله" سيكونون في أضعف حالاتهم ولن يقدروا على إحكام السيطرة عليه، وذلك عبر تحريك وكلائها ومرتزقتها في المخا.
ومن ضمن حساباتها الاستراتيجية أيضاً السيطرة على حضرموت، والتي سيكون وضعها غير مستقر بسبب الحرب التي خططت لها وجهزت لها في الجنوب المحتل، بحيث تكون المحافظة في وضع لا يسمح لمقاومتها بالتصدي للسياسة السعودية، فتسهل السيطرة عليها.

لم تقتصر الاستراتيجية السعودية على الجانب العسكري والسياسي فحسب، بل امتدت لتشمل حرباً اقتصادية شعواء عبر فرض حصار بري وبحري وجوي محكم. أدى هذا كله إلى تضييق الخناق على الموارد المعيشية، ومنع دخول السلع الاستهلاكية والأدوية والمواد الصناعية، فضلاً عن إغلاق مطار صنعاء ومنع سفر المرضى للعلاج.
إلى جانب ذلك، عمدت الرياض إلى تعطيل ونهب عائدات النفط والغاز التي تشكل المورد الأساسي لتمويل ميزانية الدولة ورواتب الموظفين. فقد استنزفت ثروات البلاد وعملت على توريد عائداتها إلى البنك الأهلي السعودي، مما خلق ضائقة معيشية غير مسبوقة على المجتمع اليمني. ولم يكن هذا التجويع عبثياً، بل جاء كأداة ضغط مجتمعي ممنهجة وموجهة ضد "أنصار الله"، في محاولة يائسة لضرب الحاضنة الشعبية وإشغال المجتمع بلقمة عيشه.

هكذا تتكشف معالم "استراتيجية الانهيار" التي تديرها الرياض بمهارة الجلوس على حافة الهاوية؛ حربٌ مركبة لا تبقي ولا تذر، تتراوح أدواتها بين هندسة الاقتتال الداخلي، والتخلص من حلفاء الأمس عبر إعادتهم كوقود لصراع جديد، وصولاً إلى الاستحواذ على الثروات والجغرافيا في حضرموت وباب المندب وحقول النفط، تزامناً مع حرب تجويع ممنهجة للاركاع الشعبي. غير أن التاريخ المعاصر لليمن، وما راكمه من وعي بوجوه الوصاية المتعددة، يؤكد أن هذه الأوراق المحروقة لن تستطيع طمس الحقائق ولا كسر إرادة شعب أدرك أن معركته الوجودية هي معركة استقلال سيادي كامل، وأن رهانات الخارج مهما تبتكر من أساليب ستتحطم حتماً أمام صلابة الأرض وإرادة أبنائها.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب