رسول حسين ابو السبح*
في دهاليز التاريخ العربي والإسلامي، ثمة خيوط خفية ينسجها الوهن، وتغذيها الأنانية، وتُحكم عقدها التنازلات، إن من يقرأ تفاصيل الواقع العربي الراهن، ويرى حجم الخنوع والانبطاح أمام الغطرسة التي تلتهم أرض فلسطين يوماً بعد يوم، لن يجد صعوبة في فهم الجذور النفسية والسياسية لهذه الهزيمة المستمرة، المسألة ليست وليدة اليوم، بل هي امتداد لنهج قديم، فالأمة التي فرطت بالحقوق الأولى، وسرقت أرض "فدك" من أصحابها الشرعيين بدافع الهوى والسياسة، هي ذاتها الأمة التي تقف اليوم عاجزة، بل ومتواطئة، في ترك فلسطين لمصيرها.
من "فدك" إلى "القدس" جينات التنازل واحدة… حين صودرت "فدك" في فجر التاريخ الإسلامي، لم تكن الحادثة مجرد خلاف على قطعة أرض أو بستان نخل، بل كانت مؤشراً مبكراً على تقديم المصلحة السياسية الضيقة على قيم العدالة والحق المطلق، كانت تلك اللحظة التي تدرّب فيها العقل الجمعي على "شرعنة الأمر الواقع" والصمت عن سلب الحقوق.
واليوم، يتكرر المشهد التراجيدي بنسخة أشد قتامة، "فدك" الأمس أصبحت فلسطين اليوم، والعقلية التي بررت مصادرة الحقوق بالأمس، هي ذاتها العقلية العربية الرسمية التي تبرر اليوم الهرولة نحو التطبيع، وتبارك صفقات التنازل، وتغسل يديها من دماء الشهداء في غزة والقدس تحت مسميات "الواقعية السياسية" و"المصالح الاستراتيجية".
من يراقب قمم الحكام العرب وبياناتهم الهزيلة المصاغة بماء العجز، يدرك أن فلسطين لم تعد في حساباتهم سوى ورقة للمساومة أو شعاراً للاستهلاك الإعلامي، العواصم التي كانت تُسمى يوماً حواضر العروبة، باتت اليوم تمارس دور الحارس الأمين لمصالح القوى الكبرى، بل إن بعضها يرى في المقاومة عبئاً وفي التمسك بالأرض تطرفاً!
كيف لأمة صمتت عن سلب الأقربين، وصادرت إرث نبيها، أن تقوى اليوم على مواجهة مشروع استعماري عالمي؟ إن من يسرق أو يرضى بالسرقة في الداخل، لا يمكنه أن يكون محتدماً للحق في الخارج.
سيكولوجية الهزيمة عندما يصبح الانبطاح "دبلوماسية"… لقد تحول الخنوع العربي من حالة ضعف مؤقتة إلى "أيديولوجيا" ممنهجة، يُراد للشعوب العربية أن تصدق أن العين لا تقاوم المخرز، وأن الاستسلام هو قمة الحكمة، هذا الخدر العام هو النتيجة الطبيعية لقرون من غياب العدالة الداخلية؛ فالأنظمة التي استمرأت سرقة كرامة شعوبها وحرياتها وثرواتها، من الطبيعي جداً أن تفرط في ذرة تراب فلسطين.
إن فلسطين لا تحتاج إلى تنديدات جوفاء، ولا إلى دموع تماسيح تُذرف في أروقة الأمم المتحدة، فلسطين بحاجة إلى أمة تمتلك أولاً شجاعة التصالح مع تاريخها، والوقوف بوجه ظالميها في الداخل، وإعادة الحقوق إلى أصحابها.
الحق لا يستجدى… ان القطار العربي يسير بسرعة نحو الهاوية، والكل يحاول النجاة بنفسه على حساب القضية المركزية، لكن التاريخ لا يرحم، والسنن الكونية لا تجامل الخانعين.
الحقيقة الصارخة التي يجب أن نواجه بها أنفسنا دون مواربة، إن الأمة التي بدأت مسيرتها التاريخية بظلم ذوي القربى وسرقة "فدك"، وتربت على قبول سلب الحقوق كأمر واقع، لن تجد في عروقها دماً حراً يسترجع "فلسطين"، فلسطين لن يعيدها الخانعون، بل ستسترجعها السواعد التي تؤمن بالحق المطلق، الذي لا يقبل القسمة ولا يرضى بالتنازل.
* المقال يعبر عن راي الكاتب