السياسية || علي مجمل حمزة*

تعاني كثير من الشعوب من اقتصاص أراضيها وضمها للدول المغتصبة لها، لكن أكثر دولة عانت من فقدان حقها في الأرض هي الدولة الفلسطينية حين استولت عليها بريطانيا ووضعتها تحت الإدارة العربية، ثم سمح بعدها بدخول اليهود كنازحين لا توجد لهم أرض بعد سيناريو طردهم من كافة بلدان العالم، فاستقبلتهم الأرض الفلسطينية وعاشوا فيها كلاجئين؛ هذه هي الذريعة وبداية الخطة.

قام المستوطنون بتأسيس قوى عسكرية لحمايتهم، ثم فجأة بدأوا بالاستيلاء على أراضي المزارعين الفلسطينيين بزعم أن هذه هي "أرض الميعاد" الموعودون بها. ولأن الشعب الفلسطيني لم يكن يملك السلاح القوي الرادع لحماية أراضيه، لم يستطع الفلسطينيون الدفاع عن أنفسهم، وهنا فرض الصهاينة سياسة الأمر الواقع الذي لاقى مقاومة بسيطة ولكنها مستمرة. فرضت المستوطنات ونظم عيش المغتصبين، واستمرت حالة أخذ الأرض والمقاومة حتى يومنا هذا الذي لا زال فيه الشعب الفلسطيني يناضل لأخذ حقوقه.

وكما انطلقت المأساة الفلسطينية من خدعة 'الأرض بلا شعب' وتهجير اللاجئين تحت غطاء الإنسانية المزيفة، لم تكن الأراضي العربية الأخرى بعيدة عن خطة التآمر والأطماع؛ ففي الخاصرة الجنوبية للجزيرة العربية، واجهت اليمن سيناريوهات شبيهة من اقتطاع الجغرافيا وتكسير الإرادة السياسية، حيث تعرضت لمطامع توسعية استغلت ظروفها الداخلية لتنقض على سيادتها وأرضها، تماماً كما تتغذى المشاريع الاستعمارية على ضعف الضحية.

من جهة أخرى، قامت القوى الإقليمية الطامعة بدورها في نهب الأراضي اليمنية التاريخية، حيث أُخذت منها (عسير، نجران، وجيزان) والمناطق المجاورة لها عبر اتفاقيات فرضتها القوة، واستمرت المقاومة بخسائر بشرية كبيرة.
هنا تتجلى معاناة الشعبين وما يحصل لهما من بلاء كبير؛ بين الاستيطان والتهجير في فلسطين، إلى اقتطاع أراضي اليمن وحروب السيطرة المستمرة على باقي جغرافيتها، وخاصة باب المندب والحديدة ومأرب والجوف وحضرموت بسبب ما تكتنزه من ثروات نفطية وموقع استراتيجي فريد. هذا ما جمع الشعبين الفلسطيني واليمني في دفاعهما المستمر عن أراضيهما وحقهما في استرجاعها، ليصبح هذا التوحد على القضية أمراً حتمياً يستمر باستمرار الاعتداء.

لكن ما لم تستوعبه الصهيونية العالمية – ممثلة بأمريكا وإسرائيل وبريطانيا ومن تحالف معهم – هو أن الحقوق لا تموت مع الأيام؛ فما زال الشعب الفلسطيني يناضل ويعافر لاسترجاع أراضيه وطرد المحتل، وما زال الشعب اليمني يتذكر أول مجزرة حلت به في منطقة تنومة، وما تلاها من اقتطاع لأراضيه واستمرار لزرع الفتن والحروب. كل ذلك جعل الشعبين مستمرين في غرس استحقاق أخذ الثأر وانتزاع الأراضي ممن سلبوها. ومادام هناك شعب واعي لا ينهزم ولا يستسلم، ووجود ما يغذي وعي الشعبين برفض استمرار القهر، ونهب الثروات، وإثارة الفتن الداخلية، وتفريخ المرتزقة والجواسيس، فإن جذوة القضية ستظل متوهجة.

وما وصلت إليه قوى المقاومة في الشعبين من تطور عسكري وشعبي، جنباً إلى جنب مع المشاركة النضالية المشتركة بينهما وبين الدول التي عانت من الظلم، والانقسام، والحصار، وما يحصل في إيران والعراق ولبنان. يستدعي أن يعي المستعمر أن وقته قد انتهى، وأن ما صبرت عليه هذه الأجيال سيحصد ناتج نضالها وصبرها.

وما نشهده اليوم من تضامن مشترك بين قوى محور المقاومة وحربهم المنتظمة وضربهم لقوى الاستعمار بطريقة مشتركة ومنظمة – خاصة ما قامت به الشريك الأول لفلسطين (اليمن) حين ضربت ولأول مرة منذ سنوات طويلة الأراضي المحتلة، واستهدفت المواقع العسكرية ومطار بن غوريون (في 15 سبتمبر 2024) نصرةً لأهلنا في غزة وانتقاماً للمجازر الصهيونية – قد أعاد الأمل للشعب الفلسطيني في أن هناك من يحارب معهم ويتضامن عسكرياً مع قضيتهم، بينما اكتفت الشعوب الأخرى بالتنديد وفرض قبول حوار الاستسلام والاعتراف بالكيان الصهيوني كأمر واقع. وهذا ما لم تقبله اليمن، التي نسفت خطة "إسرائيل الكبرى"، ليتلوها محور المقاومة في إيران بردها المزلزل على الاعتداءات الصهيونية، متزامناً مع الضربات الموازية لليمن.

كما لا ننسى مشاركة حزب الله حين منع تقدم المحتل على أراضيه ورد بقوة أربكت الاحتلال، ومشاركة المقاومة العراقية التي نسقت بضرباتها المشتركة مع اليمن وإيران مستهدفة مراكز قوى الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة ومواقع حيوية أخرى، مما أثر بشدة على القوى العظمى. وتزامن كل هذا مع فرض اليمن حصاراً بحرياً تاريخياً في باب المندب على واردات الكيان الصهيوني وهزيمة الأسطول الأمريكي، ليتبعها لاحقاً تحرك إيراني فاعل في فرض قيود على الملاحة المرتبطة بالكيان ومضيق هرمز.

وبهذا نؤكد على أن رهان القوى العظمى في فرض "إسرائيل الكبرى" كأمر واقع، ونزع حقوق الشعوب وتسخير مواردها لصالح الكيان الصهيوني وجعل الأوطان في صراع داخلي لإحكام السيطرة، وتسخير مضيق باب المندب كممر عالمي تحت الوصاية التابعة للصهيونية، ومضيق هرمز لصالح الملاحة العالمية دون حق الدول في ثرواتها وممراتها البحرية – وكأن شعوب هذه الدول لا تستحق المواقع والأراضي التي تملكها وفقط عليها تسخيرها لغيرها من دول الاحتلال – هو وهم لن يكون في ظل تضامن الشعوب المغلوبة التي استطاعت بوعيها كسر هيمنة العالم الظالم وقلب المعادلة المستحيلة.

ولأن اليمن وفلسطين هما قلب محور المقاومة، وتتبعهما إيران والعراق ولبنان، سينتزعان حقوقهما بالقوة، ولن يستقر الوضع للغازي أبداً، ولن تقبل أي دولة مقاومة أن تنتصر دون نصرة الدول المعنية الأخرى وخاصة فلسطين.
فالحمد لله على تضامن الشعوب ونصرتها لبعضها، وموعدنا التحرير والتمكين.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب