مصالح أمريكا قبل قواعدها العسكرية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تستند الولايات المتحدة في عدوانها على المنطقة -بشكلٍ رئيسي- على ثروات الأمة العربية وفي مقدمها النفط الخليجي الذي يمول كل إجرامها في المنطقة كما يمول الإبادة الصهيونية للشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، وليس للعرب أو المسلمين بشكلٍ عام، أي مصلحة من بقاء الإمدادات النفطية على حالها بلا أي استهداف، فقد سبقتهم إليها الإمبريالية الغربية ووظفتها لقمع العرب وسائر شعوب العالم.
وهذه حقيقة لا تقبل النكران، فعائدات النفط الخليجية شريك فعلي في كل إجرام تمارسه الإمبريالية الصهيونية في عالمنا العربي أو في غيرها من دول العالم الحر، ورأينا كيف جاء ترامب في عز الإبادة الجماعية لسكان غزة ليجمع تريليونات من أموال الخليج لتذهب فورًا كدعم عسكري مباشر للكيان الصهيوني وحتى لا تتوقف آلة الموت الإسرائيلية في انتزاع أرواح الأطفال في غزة.
كما أن هذا التدفق المالي لا يتوقف عند حدود الصفقات العسكرية المباشرة، وإنما يمتد ليشمل منظومة متكاملة من الدعم غير المباشر، عبر الاستثمارات في الاقتصادات الغربية التي تُعاد تدويرها لاحقًا في خدمة الصناعات الحربية، وفي مقدمتها تلك المرتبطة بالكيان الصهيوني. فحين تُضخ مئات المليارات في أسواق السلاح والطاقة والتكنولوجيا في الولايات المتحدة، فإن جزءًا كبيرًا منها يتحول، بشكل أو بآخر، إلى أدوات قمع وقتل تُستخدم ضد شعوب المنطقة.
وبما أن الثروات السيادية العربية تذهب إلى صناديق تمويل مفتوحة للبنتاغون والمصانع العسكرية الغربية، فإن حقول النفط في الخليج أهداف مشروعة لكل الأحرار في العالم، ولإيران كل الحق في ضربها لضمان أمنها القومي ولحماية شعوب الأمة بشكلٍ عام، ولا ينبغي الالتفات للعويل الخليجي، فإنه جزء من العدوان على إيران ولا قيمة له فيما يتعلق بالإنجازات الميدانية.
وفي ضوء ذلك، فإن استمرار هذا النهب الممنهج لثروات العرب يفتح الباب أمام مزيد من الحروب والصراعات التي لن تقف آثارها عند حدود المنطقة، بل ستمتد لتطال الأمن والاستقرار والتنمية في العالم بأكمله. إذ إن ربط الثروات العربية بمنظومات الصراع الدولية يجعلها عرضة للابتزاز والتوظيف الخارجي، بدلاً من أن تكون أداة لبناء القوة الذاتية وتحقيق الاكتفاء والتنمية المستدامة. وعليه فإن إيران الإسلامية أولى بوقف هذه الميزة التي يملكها الغرب ويسخرها في الإجرام وإثارة الصراعات الدولية.
وأمام هذا الصلف، تبرز "المشروعية الأخلاقية والسياسية" لرد الصاع صاعين؛ إذ إن استهداف هذه المصالح الحيوية يمثل رداً متكافئاً على حرب التجويع. وفي حال انزلاق المواجهة نحو استهداف مباشر لتلك المراكز والتدفقات المالية، فإن حجم الخسائر التي ستتكبدها الخزانة الأمريكية سواء بفعل تضرر البنية التحتية الطاقوية أو توقف سلاسل الإمداد أو فقدان مراكز السيادة التقنية قد يتجاوز بمراحل كلفة العقوبات المفروضة على اليمن وإيران، مما يحول "المزرعة الأمريكية" في المنطقة من مصدر للثراء والنفوذ إلى عبء استراتيجي باهظ الثمن، يهدد استقرار النظام المالي العالمي في الصميم.
علاوة على ذلك، فإن هذه المعادلة تضع واشنطن في مأزق استراتيجي فريد؛ إذ إنها بقدر ما تراهن على سياسة "الحافة" لإخضاع خصومها، فإنها تعزز في الوقت ذاته قناعة لدى هؤلاء بأن الرد من داخل العمق الحيوي للمصالح الأمريكية هو السبيل الوحيد لكسر طوق الحصار وإعادة التوازن لقواعد الاشتباك.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

