سقوط الهيبة الأمريكية
بقلم: د. صابر أبو مريم*
اتخذت الحكومة الأمريكية وجميع أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بما في ذلك وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ودونالد ترامب، قراراً مشتركاً بشن هجمات على إيران. غير أن هذه الحرب التي شُنت ضد إيران أفرزت نتائج متعددة، أبرزها تبدد الهيبة الأمريكية وتحطم صورة "القوة العظمى" في المنطقة. ليست هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تواجه فيها أمريكا الذل والهوان عندما يتصدى لظلمها الضعفاء المتمسكون بالحق؛ ففي هذه الحرب، تحطمت أسطورة القوة والمنعة العسكرية الأمريكية على صخرة الصمود والمقاومة الإيرانية.
لقد فرضت الولايات المتحدة هذه الحرب على إيران بهدف إسقاط نظام الثورة الإسلامية، وإقامة حكومة صورية ترهن جميع الموارد والثروات المعدنية الإيرانية للإدارة الأمريكية وتخضع لهيمنتها. غير أن النتيجة جاءت بعكس ما طمحت إليه واشنطن؛ فقد قدم قائد الثورة الإسلامية آية الله الخامنئي، إلى جانب القادة العسكريين والميدانيين، أرواحهم فداءً للوطن، ورفضوا الاستسلام للخطط الأمريكية. وبعد ستة أشهر من المقاومة والصمود، أثبتت إيران أنها لن تخضع للضغوط الأمريكية. وفي الوقت الذي فشلت فيه واشنطن في تحقيق أهدافها المخطط لها، تسببت المقاومة الإيرانية في إدخال الإدارة الأمريكية في أزمات سياسية واقتصادية متفاقمة، ناهيك عن التحديات الميدانية الجسيمة التي تواجهها القوات الأمريكية في قواعدها العسكرية الممتدة من الخليج الفارسي إلى باقي الدول العربية، وهي أزمات بدأت تتكشف أبعادها تدريجياً أمام العالم.
وفي سياق التصعيد المعقد والمواجهات الأخيرة في غرب آسيا، تُظهر التحديات الاستثنائية التي تواجه الجيش الأمريكي أن النزاع الحالي ألحق أضراراً بالغة بالحسابات الاستراتيجية والقدرات التشغيلية للبنتاغون. إذ لم يقتصر الأمر على شلل شبكة الإمداد والتزويد التابعة للبحرية الأمريكية جراء الفواصل الجغرافية الطويلة والمعقدة، بل امتد ليشمل تهديدات خطيرة وخسائر بشرية ومادية لحقت بالأصول العسكرية الأمريكية، وفي مقدمتها الأساطيل البحرية تقودها حاملات الطائرات مثل "يو إس إس أبراهام لنكولن" و"يو إس إس جيرالد فورد"، فضلاً عن القواعد العسكرية البرية.
لقد أدى تدمير شبكة الإمداد اللوجستية إلى وضع السفن الحربية الأمريكية تحت ضغط تشغيلي غير مسبوق؛ فبعد تدمير القاعدة اللوجستية الرئيسية للبحرية الأمريكية في البحرين في 28 فبراير، وتزايد مخاطر الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيرة على الموانئ القريبة الأخرى، فقدت السفن الحربية إمكانية التزود بالمركبات والإمدادات محلياً. وأصبح لزاماً عليها قطع مسافات شاسعة للتزود بالوقود والغذاء من نقاط بعيدة مثل جزيرة دياغو غارسيا (على بعد 2200 ميل) أو سنغافورة (على بعد 3700 ميل)، مما يطيل مدة الإمداد ويضع استمرارية العمليات العسكرية في مهب الريح. كما أن عمليات نقل الإمدادات في عرض البحر عبر الكابلات والمروحيات على مسافة لا تتعدى 150 قدماً بين السفن تصاحبها صعوبات فنية جليلة وتجعل الطرفين عرضة لاستهداف وشيك من قبل الخصم.
ويقع العبء الأكبر لهذا الوضع اللوجستي المتدهور على أسطول حاملات الطائرات الاستراتيجية مثل "يو إس إس أبراهام لنكولن" و"يو إس إس جيرالد فورد". تمتلك البحرية الأمريكية 11 حاملة طائرات، أُرسلت أربع منها دفعة واحدة إلى المنطقة للمشاركة في العمليات ضد إيران، بينما تخضع بقية الحاملات لعمليات صيانة وإصلاح طويلة الأجل. وهذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تشارك فيها أربع مجموعات قتالية لحاملات طائرات أمريكية في وقت واحد ضد دولة واحدة. في السابق، كانت مجرد تحركات هذه الأساطيل تؤدي إلى فرار الحكومات وتغيير الخرائط السياسية، غير أن الصمود الإيراني أثبت انقضاء ذلك العصر الذي كانت تهاجم فيه أمريكا وتغادر دون رادع؛ فاليعقوب اليوم يدرك أن أي ضربة أمريكية ستُقابل بضربة مضاعفة.
إن بقاء هذه الأصول البحرية الثمينة والمعقدة تقنياً لفترات طويلة في مناطق بحرية خطرة، مع النقص المستمر في الوقود والإمدادات، يوجه ضربة قاصمة للتفوق البحري الأمريكي. وفي حال تعرض أي من هذه الحاملات لأضرار بواسطة الصواريخ الفرط صوتية أو الطائرات المسيرة الحديثة للخصم، فإن ذلك سيمثل أكبر خسارة مالية واستراتيجية في تاريخ الجيش الأمريكي.
وعلى صعيد متصل، تكتظ منصات التواصل الاجتماعي الدولية والحسابات الأمريكية بصور ومقاطع فيديو لحاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لنكولن" عقب عودتها من مناطق النزاع، حيث أثارت مشاهد المظهر المتهالك للقطعة البحرية صدمة لدى الشارع الأمريكي، بينما تداولتها أطراف أخرى بالسخرية، متسائلين كيف لقطعة صدئة أن تتبع دولة تتجاوز ميزانيتها الدفاعية ترليون دولار. ويعرب مواطنون أمريكيون عن دهشتهم مقارنة بوضع الحاملات في الحروب السابقة، مؤكدين أنه إذا كان هذا هو حال الحاملة ذاتها، فمن السهل استنتاج حجم المعاناة التي عاشها نحو 5000 جندي على متنها.
ولا تقتصر هذه الضغوط على المحاذير البحرية فحسب، بل تمتد لتشمل القواعد الجوية والبرية الأمريكية في المنطقة. إذ تتواصل الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على المنشآت والقواعد العسكرية في الأردن والعراق والدول المجاورة، ما زاد من حجم الخسائر البشرية والصعوبات التشغيلية للجيش الأمريكي. وقد أسفرت الهجمات الأخيرة على القواعد الأمريكية في الأردن عن أضرار بالغة في منظومات الدفاع المتقدمة والرادارات والبنية التحتية، فضلاً عن الارتفاع المستمر في أعداد القتلى والجرحى بين الصفوف، وهو ما انعكس سلباً على الروح المعنوية والتوازن النفسي للجنود.
تتفاقم المعاناة الجسدية والنفسية لنحو 20 ألفاً من البحارة وعناصر المارينز والجنود المرابطين في القواعد البرية يوماً بعد يوم؛ فالاستنفار العسكري المستمر، وقيود ترشيد استهلاك الغذاء والوقود، والتهديد المباشر بالتعرض للهجوم في أي لحظة، تشكل ضغطاً نفسياً حاداً. ومع تراجع كفاءة خطوط الإمداد وطول مسارات البدائل، تتراجع القدرة الجاهزية والقتالية للقوات الأمريكية بشكل دراماتيكي، ما يرفع من احتمالات تسجيل المزيد من الخسائر البشرية غير المتوقعة.
خلاصة القول، لقد أربكت تطورات المشهد العسكري في غرب آسيا التقديرات التقليدية للولايات المتحدة على المستويات اللوجستية والاستراتيجية والبشرية. إن عدم أمان الموانئ الإقليمية، وامتداد خطوط الإمداد لآلاف الأميال، وتعرض الأصول الرئيسية مثل "جيرالد فورد" و"أبراهام لنكولن" للتهديد، إلى جانب الخسائر البشرية في قواعد مثل الأردن، كلها أدلة ساطعة على أن الجيش الأمريكي دخل مستنقعاً وأزمة ممتدة يعجز البنتاغون عن إيجاد حلول سريعة لها. وبناءً على هذه المعطيات، يمكن القول بثقة: لقد شيعت إيران هيبة الولايات المتحدة إلى مثواها الأخير.
* المقال يعبر عن راي الكاتب

