أدبيات الحرب بين الحفاة والجفاة ..!
بهاء الدين الغزي*
لا يكاد ينقضي يوم من أيام الحرب بين أنصار الله اليمنيين والسعودية إلا بشق الأنفس على الأخيرة، ويبدو أن الإجهاد العسكري واللوجستي سواءً عند الطَّرف اليمني الثاني الهارب المدعوم سعوديَّاً أو السعودية نفسها واضح من خلال آليات التعامل المتخبّطة مع أنصار الله، وقد أعادت سنوات الحرب السابقة تشكيل ميزان القوة في هذه البقعة من الأرض، لتؤكد اليمن حضورها الإقليمي بوصفها قوة صاعدة ومؤثرة ميدانياً.
ولعل المتتبع لتاريخ الصراع بين الطرفين يقع على بعض نقاطها وبؤرها فكرياً وسياسياً واستراتيجياً واقتصادياً، لأننا لا نستطيع اختزال تاريخ نشوء حركة أنصار الله بهذه الـ (23) سنة إذا قلنا بنشأتها سنة 1994 كما يذكرون، بل لها تاريخ قديم ضارب بأعماق التاريخ، فهي تجمع بين البعد الديني الإيديولوجي وبين البعد السياسي، لكن يبدو أن وجود أنصار الله أصبح كابوساً مؤرِّقاً للسعوديين.
فلم تعد الحدود الجغرافية تشكّل مانعاً بينهم ولا ترسم مساحة المواجهة، فالصّواريخ والمسيّرات التي غيّرت مسار هذه المواجهة من جهةٍ، والمنشآت النّفطيّة التي وقعت تحت ضغطٍ هائلٍ بين إيقاف الإنتاج والاستهداف المدمّر الذي لم يبق لبعضها سوى الرُّكام من جهةٍ أخرى.
لقد دخلت الممرات البحريَّة في قلبَ الصّراع، كلُّ ذلك جعل السعوديَّ يلجأ-بعد أن استنفد حلوله الاستنجادية بحلفائه الذين تركوه مُتخبطاً-لطريقةِ الحيلة وتوظيفِ أوراق تُثير مشاعر النّاس كادعائه استهداف أنصار الله مكَّةَ المكرمة والمدينة المنورة..! وهو ما نفاهُ أنصار الله اليمنيون، بل وأكدوا أنهم سيحمون المقدسات الإسلامية بكل ما يملكون كما فعلوا في نصرة المسجد الأقصى.
لعل أبرز ما يميز طبيعة هذا الصراع أن أنصار الله يتقدمون بأوراق عسكرية قادرة على فرض حضورها في معادلةٍ إقليميةٍ شديدة التعقيد، وقد راكموا قدراتهم العسكرية ووسَّعوا مساحة العمليات، في حين أنَّ السعودية تواجه تحدياً يتجاوز نطاق حدودها الجنوبية إلى أمن منشآتها ومدنها ومصالحها الاستراتيجية.
فالسعودية تنوء اليوم بحملٍ ثقيلٍ حين تُقصف آرامكو أو منشآت (شرق غرب) النفطيّة، وهذا ما جعلها ترزحُ تحت ضرباتٍ لا تُجيدُ كيفيَّة تجنُّبها، فقد كانت تتوقّعُ اقتصار المواجهة على الحدود الجنوبية لها، لكنها فوجئت باتّساعها نحو البحر الأحمر، وإغلاق أنصار الله أمامها متنفس مضيق باب المندب، ويطبق على أكبر مساحةٍ لتحرُّكِ السعودية ليجعلها مقيدةً بإحكامٍ، فالمعركة هنا أكبر من قاعدة واحدة، بل هي صراع قواعد الاشتباك وحدود الرَّدع ومَن يمتلك القدرة على رفع كلفةِ المواجهة على الطّرف الآخر.
يمكن استقراءُ مستقبل هذا الصراع، بالقول : إن السعودي سيلجأ- منهكاً-إلى قبول الهزائم المتتالية ويقبل بحقيقة الأمر الواقع الجديد على الأرض، إن لم تكن خسارة جزء من أراضيه، ليخرج بأقل الخسائر من ورطته التي زُجَّ بها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب - كاتب عراقي

