أحمد صبري السيد علي*



تكشف التطوّرات المتسارعة في اليمن عن الاستراتيجية الجديدة لمحور المقاومة والتي ترى ضرورة إعادة تشكيل واسعة للمجال الممتدّ من الخليج إلى البحر الأحمر وبحر العرب وشرق أفريقيا. ما يضيّق كثيراً من مساحة حرية الحركة لدى المحور الأمريكي الصهيوني، إلا أنّ ما يعطي هذه التطوّرات أهميتها هو الدور الصيني والروسي الداعم للمحور في تنفيذ هذه الاستراتيجية.

إنّ متابعة الأحداث بحسب تسلسلها وترابط نتائجها، ربما يكون ضرورياً للحصول على تصوّر أفضل لما حدث منذ بداية شهر سبتمبر، الأمر الذي يصعب على المتابعين النظر لكلّ حدث بمعزل عن الآخر، خاصة لو كانت العلاقات بين الفاعلين في هذه الأحداث متشابكة، بما يجبرنا على طرح تساؤل مشروع: إلى أيّ مدى يمكننا تصوّر وجود تعاون وتنسيق واضح بين كلّ من إيران وروسيا والصين في الدفع بهذه الأحداث المتلاحقة، بحيث تحوّل اليمن إلى أحد المراكز التي يعاد عندها تعريف شروط الحركة في النظام الإقليمي والدولي؟

من شنغهاي إلى باب المندب
بدأت المرحلة الحالية مع قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي انعقدت في مطلع سبتمبر، حيث ظهر موقف جماعي أكثر وضوحاً في رفض الضربات الأمريكية على إيران والدعوة إلى تسوية الأزمة بالوسائل السياسية والدبلوماسية. وكانت مشاركة الهند إلى جانب الصين وروسيا وإيران ذات دلالة خاصة؛ إذ لم تنضمّ نيودلهي إلى اصطفاف أمريكي كامل رغم علاقاتها الاستراتيجية بواشنطن.

ثمّ جاءت تصريحات محسن رضائي بشأن إقامة منطقة بحرية محظورة خارج مضيق هرمز، في ظلّ تأكيد إيراني على أنّ الملاحة في المضيق أصبحت خاضعة بدرجة كبيرة للقدرة الإيرانية. كانت هذه الخطوة تعني انتقال الصراع إلى إعادة تعريف شروط الملاحة في محيط أحد أهمّ الممرات البحرية في العالم.

في الوقت نفسه تقريباً بدأت حكومة صنعاء (أنصار الله) هجومها الواسع على الساحل الغربي لليمن. سقطت المخا، ثم ذباب، ثم تحرّكت القوات باتجاه الجزر والمواقع التي تتحكّم في باب المندب، وصولاً إلى ميون التي تقع في قلب المضيق وتقسمه إلى ممرين بحريين. وخلال فترة زمنية قصيرة، ظهر واقع جغرافي جديد: فإيران تضغط من هرمز، وأنصار الله يسيطرون على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

على أنّ المعركة حول مأرب، التي تحوي النفط والغاز تكتسب أهمية إضافية. وإذا تمكّن أنصار الله من تثبيت سيطرتهم على مأرب ومنشآتها، فإنّ النتيجة ستتمثّل في الحصول على موارد يمكن تحويلها إلى تراكم اقتصادي ومؤسسي وعسكري. كما أنّ مأرب تفتح الطريق باتجاه شبوة والجنوب والشرق، بما يربط التقدّم الساحلي بالعمق اليمني.

وتبقى سقطرى، التي تعدّ السيطرة عليها مستقبلًا أكثر من مجرّد مكسب إقليمي. فهي تمثّل نقطة ارتكاز متقدّمة في بحر العرب، وإذا انتقلت إلى سيطرة أنصار الله فإنّ القوس البحري سيصبح أكثر اتصالًاً، فسقطرى تقع بالضبط عند نقطة الفصل بين بحر العرب وخليج عدن. بما يشكّل شبكة من المديات العملياتية المتداخلة بين إيران وأنصار الله، ويغلق مجال الحركة أمام الولايات المتحدة وحلفائها.

في المقابل تكشف طريقة تعامل الولايات المتحدة مع التقدّم اليمني دلالة لا تقلّ أهمية عن التقدّم نفسه. فقد طلبت السعودية دعماً أمريكياً مباشراً ضدّ أنصار الله، لكنّ واشنطن لم تتفاعل مع هذا الطلب السعودي، في الوقت الذي تنغرس فيه أصلاً بمواجهة مع إيران، خصوصاً إذا أصبحت الجبهتان مترابطتين عملياتياً. وكان ترامب قد أشار إلى أنّ أنصار الله لا يريدون الحرب مع الولايات المتحدة. ما يشير إلى وعي الأمريكيين بحقيقة تقلّص قدرتهم على الحركة في المنطقة.

تقليص المجال التركي وسقوط مشروع "تحالف مكة"

إنّ أثر هذا التحوّل اليمني يمتد إلى المشروع التركي في الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. فتركيا منذ فترة طويلة تسعى إلى مجال بحري مفتوح كي تتحوّل علاقاتها مع الصومال والسودان والخليج وشرق أفريقيا إلى نفوذ جيوستراتيجي متكامل. لكنّ توسّع المجال الإيراني واليمني يجعل هذا النفوذ أكثر اعتماداً على التفاهم مع القوى التي تستطيع التأثير في الملاحة.

الأمر نفسه ينطبق على "تحالف مكة" الذي كان يسعى لأن يتطوّر إلى شبكة نفوذ تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي. لكنّ هذا القوس الإيراني - اليمني يضع حدوداً عملية لهذا المشروع. ولذلك فإنّ قدرة هذا التحالف على إنتاج مجال مستقل فعلياً تصبح محدودة. وهو ما يمكن قوله عن التحالف الإماراتي - الهندي.

الكيان الصهيوني يخسر موقعه الجنوبي

من أكثر النتائج أهمية للتقدّم اليمني تأثيره المباشر في الموقع الجغرافي للكيان الصهيوني. فمع سيطرة أنصار الله على الساحل اليمني وباب المندب، تصبح قدرة الميناء الصهيوني على العمل ضمن شبكة التجارة الآسيوية - الأوروبية محدودة بشدة. وهنا يفقد الكيان الصهيوني جزءاً كبيراً من القيمة الجيوستراتيجية لموقعه الجنوبي. كما يضعف ذلك إمكانية تحوّله إلى عقدة لوجستية بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، ويقيّد المسار البحري الذي كان يمكن أن يربطه بشرق أفريقيا، بما في ذلك جمهورية أرض الصومال التي أصبحت ذات أهمية متزايدة في الحسابات الصهيونية والإقليمية حول البحر الأحمر.

ولتوضيح مدى خطورة هذه النقطة، من الضروري تذكّر أنّ الكيان الصهيوني سابقاً شارك في العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 نتيجة عرقلة مصر للملاحة الصهيونية عبر خليج العقبة، كما أدى قيام مصر بإغلاق مضيق تيران الذي يربط خليج العقبة بالبحر الأحمر إلى اشتعال حرب 1967.

بتزامن ذلك مع مشكلة داخلية أكثر خطورة بالكيان الصهيوني، فالأزمة الاقتصادية في أمريكا ترتبط بشكل وثيق بالوضع الاقتصادي في هذا الكيان، حيث يؤدي تراجع الاقتصاد الأمريكي وأزمات الديون في واشنطن إلى إضعاف قدرتها على تقديم المساعدات السخية، كما أنّ استنزاف الذخائر والاحتياطي النفطي الأمريكي فرض ضغطاً لوجستياً هائلاً على "تل أبيب".

هذه الضغوط الخارجية ألقت بظلالها على الداخل الصهيوني، حيث تحدّثت قناة "كان" العبرية عن أزمة تمويل داخلية حادة بين "الجيش" ووزارة المالية الصهيونية تسبّبت في تجميد ميزانيات الدفاع (بين 30 إلى 40 مليار شيكل) وتراكم ديون للمصانع المحلية تجاوزت 15 مليار شيكل، مما هدّد بتوقّف خطوط إنتاج قذائف الدبابات والمدفعية وإخراج كتائب مدرعة من الخدمة.

على الصعيد البحري، فرض إغلاق مضيق هرمز وباب المندب حصاراً شبه كامل أدّى لشلل ميناء "إيلات" بنسبة 80%، وتكبّد قطاع النقل الصهيوني خسائر بنحو 4 مليارات دولار شهرياً نتيجة الالتفاف حول أفريقيا، مما دفع الاقتصاد للانكماش بنسبة 3.8%. وامتدّت هذه الأضرار الهيكلية لتضرب محرّك الاقتصاد الصهيوني، وهو قطاع التكنولوجيا (الهايتك) والاستثمار الأجنبي، حيث تراجعت استثمارات الشركات الناشئة بنسبة 30% بسبب استدعاء المهندسين للاحتياط، وتأثّرت سلاسل إمداد المكوّنات الإلكترونية الدقيقة، وسط بوادر مقاطعة أوروبية وتقييد لفرص وصول الشركات والابتكارات العسكرية الإسرائيلية للتمويل والبرامج البحثية الدولية المشتركة.

الجنوب اللبناني والخط الرمادي

في هذا السياق تكتسب التسريبات المتعلّقة بالانسحاب الصهيوني من تلة علي الطاهر والعودة إلى مواقع خلف قلعة الشقيف أهمية أكبر. فقد ظهرت تقارير في الإعلام الصهيوني عن إعادة انتشار القوات والعودة من بعض المواقع المتقدّمة في جنوب لبنان إلى خطوط خلفية، بما يعيد إلى الواجهة مفهوم "الخط الرمادي" الذي يقوم على الاحتفاظ بقدرة ضغط عسكرية وأمنية من دون تحمّل كلفة السيطرة الميدانية المتقدّمة والمستمرة.

فالمشكلة التي يواجهها الكيان هي أنّ المجال الذي يريد تغطيته يتسع في الوقت الذي تصبح فيه كلفة إنتاج القوة أعلى. وإذا استمر حزب الله في استنزاف الانتشار الصهيوني في الجنوب، وبقيت الجبهة اليمنية تضغط على المجال البحري والاقتصادي الجنوبي، فإنّ الاحتفاظ بوجود متقدّم في جنوب لبنان يصبح أكثر تكلفة من الناحية البشرية والاقتصادية. ومن هنا يمكن فهم "الخط الرمادي" بوصفه محاولة للانتقال من السيطرة المباشرة إلى السيطرة بالنار والردع والعمليات المحدودة.

إذاً، من المتوقّع أن يضطر الكيان الصهيوني إلى تخفيف قبضته على جنوب لبنان، وأن يعيد توجيه جزء من نشاطه الاستراتيجي نحو سوريا وشرق المتوسط. فسوريا في هذه الحالة تكتسب أهمية استثنائية؛ لأنها وشرق المتوسط تمثّل المجال المتبقّي أمام الكيان في بيئة إقليمية يضيق فيها المجال الجنوبي. ومن هنا يمكن أن تتحوّل سوريا وشرق المتوسط إلى المتنفّس الاقتصادي والجيوستراتيجي الأهم. ما يجعل التنافس التركي - الصهيوني على سوريا وشرق المتوسط احتمالاً مهماً في المرحلة المقبلة. وإذا تمّ إغلاق الطريق الجنوبي للكيان، فقد تزداد حساسية هذا التنافس.

الممر الهندي: من منافسة الصين إلى ضرورة التنسيق معها

تظهر هنا نقطة أكثر عمقاً تتعلّق بالممر الهندي ـ الشرق الأوسط - أوروبا. فهذا المشروع اكتسب منذ صياغته بُعداً جيوستراتيجياً واضحاً بوصفه بديلاً أو ثقلاً موازناً لمبادرة الحزام والطريق الصينية. لكنّ التحوّلات الحالية قد تدفع المشروع إلى نتيجة معاكسة لما كان مقصوداً منه في الأصل.

فإذا استقر المجال اليمني الجديد، وأصبح باب المندب واقعاً تحت نفوذ أنصار الله، بينما بقيت إيران قادرة على التأثير في هرمز وبحر العرب، فإنّ استمرار أيّ ممر هندي إلى أوروبا لن يكون ممكناً من دون التعامل مع القوى التي أصبحت تملك القدرة على التأثير في شروط الحركة على امتداده.

وهنا تبرز مسألة العلاقة الصينية ـ اليمنية. فأنصار الله أعلنوا وجود علاقات متطوّرة مع الصين وروسيا، وهذه العلاقات ليست سرّاً. كما أنّ دراسات متخصصة تحدّثت عن تطوّر أشكال الدعم الصيني غير المباشر لأنصار الله عبر وسطاء، بما في ذلك تقنيات ذات استخدام مزدوج.

يضاف إلى ذلك ما أوردته قناة I24NEWS الصهيونية عن دعم تسليحي صيني لأنصار الله، وإذا ثبتت هذه المعلومة، فإنها ستغيّر الحسابات الهندية بصورة جوهرية. حيث ستجد الهند نفسها أمام مجال تتداخل فيه المصالح الصينية والروسية والإيرانية واليمنية. وبالتالي فثمة مفارقة استراتيجية: الممر الذي صيغ جزئياً لموازنة الحزام والطريق الصينية قد يصبح غير قابل للعمل إلا من خلال تفاهم مع الصين.

وبالرغم من أنّ الهند لن تتحوّل إلى شريك صيني أو تتخلى عن علاقاتها بالولايات المتحدة. لكنّ المصالح التجارية ستفرض عليها فصلاً نسبياً بين المنافسة الاستراتيجية وبين الضرورات الجغرافية. فالهند تستطيع منافسة الصين سياسياً واقتصادياً، لكنها لا تستطيع بناء طريق إلى أوروبا يتجاهل الصين إذا أصبحت بيجين جزءاً من المعادلة التي تحكم المجال الممتد من آسيا إلى البحر الأحمر. ولعلّ هذا ما قصده الرئيس الصيني في كلمته عقب لقائه مع رئيس الحكومة الهندي: "رغم أنّ بلدينا يختلفان في جوانب عديدة، فإنهما قادران تماما على تكملة نقاط القوة لدى كلّ منهما، ودعم أحدهما الآخر، وتحقيق النجاح المتبادل، والتقدّم معا".

بريكس: من الجغرافيا إلى النظام المالي

جاء انعقاد قمة بريكس في 12 و13 سبتمبر بعد هذه التحوّلات الكبرى في باب المندب. وشاركت إيران والهند والإمارات ومصر والصين وروسيا وغيرها في إطار واحد، وخرجت القمة بإعلان مشترك دعا إلى ضبط النفس والحوار والدبلوماسية في أزمات غرب آسيا، كما عبّر عن القلق من الإجراءات الأحادية التي تؤثر في التجارة الدولية.

والأهم اقتصادياً أنّ بريكس دفع نحو زيادة استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار، وربط أنظمة الدفع الوطنية وتسهيل المدفوعات العابرة للحدود، وتوسيع التمويل بالعملات المحلية. ورغم أنّ القمة لم تعتمد عملة موحّدة لبريكس؛ لكنّ هذا لا يقلل من أهمية المسار الفعلي الذي اتخذته القمة، والذي ينسجم بدوره مع اتجاه التحرّكات الصينية والروسية والإيرانية المناهضة للهيمنة الأمريكية: بناء آليات تسمح بالتجارة والتسوية المالية بعملات الدول الأعضاء، وتقليل تكاليف الاعتماد على الدولار والنظم المالية الغربية. في استجابة واضحة للمتغيرات التي فرضها التقدّم اليمني. وهنا أشير خصوصاً إلى موافقة الهند والإمارات، الشريكتين الاستراتيجيتين لأمريكا على هذا المسار.

إنّ هذا التسلسل للأحداث لا أعتقد أنه تمّ بمحض الصدفة. بقدر ما يبدو أنه إعادة ترتيب أوضاع المنطقة بهدف تقليص الخيارات المتاحة أمام الأمريكيين. وربما يدعم هذا التصوّر ما كشفه المحللان الجيوسياسيان؛ البرازيلي بيبي أسكوبار والباكستاني ذو الفقار علي عبر منصة (Transition Protocol) من أنّ كوريا الشمالية سلّمت إيران مخزوناً من طائرات هجومية مسيّرة شبحية تحت الماء عبر ممر يشمل الصين وباكستان.

إذاً، ما جرى في اليمن، وفق هذه القراءة، هو إعادة توزيع لمجال قوة محور المقاومة في غرب آسيا، بدعم من حلفائه، فحين تمتلك إيران القدرة على التأثير في هرمز، ويمتلك أنصار الله القدرة على التأثير في باب المندب، وفق ترتيبات مع كلّ من الصين وروسيا، وتصبح التجارة الآسيوية ـ الأوروبية مضطرة إلى مراعاة هذه القوى، تتحوّل الجغرافيا البحرية إلى قوة سياسية واقتصادية.

وإذا استمر هذا المسار، فإنّ جنوب الجزيرة العربية سيصبح إحدى النقاط التي يعاد منها تنظيم المجال الأفروأوراسي. وعندها فإنّ التغير الحقيقي سيتمثّل في حقيقة أعمق: أنّ القوى التي كانت تتحرّك بحرية داخل هذا المجال ستجد نفسها مضطرة، للمرة الأولى، إلى التفاوض مع القوى التي أصبحت قادرة على التحكّم في شروط حركتها.



* المقال نقل من الميادين نت ويعبر عن رأي الكاتب