طوفان التحرر 21 سبتمبر مجد يمني متصاعد
السياسية || مهدي الظمين*
في الذكرى الثانية عشرة لانطلاقة ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر المجيدة، يرتسم أمام أحرار الأمة مشهد يمني عظيم يختزل عقداً كاملاً من الصمود الأسطوري، والثبات الإيماني، والتضحيات الجسيمة في وجه أعتى عدوان كوني تقوده قوى الاستكبار العالمي وأدواتها الإقليمية. لم تكن هذه الثورة مجرد حدث عابر في تاريخ اليمن الحديث، بل كانت لحظة تاريخية فاصلة ومحطة تحول كبرى أطاحت بعهد الوصاية والتبعية والفساد، وأعادت للشعب اليمني إرادته الحرة وسيادته الكاملة على أرضه وقراره، لتثبت الأيام والسنوات أنها ثورة أصيلة يمنية خالصة لا دور خارجي فيها، بل انبعثت من عمق المعاناة وبإرادة شعبية مستقلة وأداء راقٍ يجسد أخلاق اليمنيين وقيمهم العالية دون إقصاء أو انتقام.
لقد جاءت الثورة المباركة لتنقذ اليمن من منزلقات خطيرة ووصاية غربية وأمريكية مقيتة، حيث إنه "لولا ثورة الـ 21 من سبتمبر لكان التطبيع مع كيان العدو الإسرائيلي أُعلن من اليمن استجابة للتوجيهات الأمريكية". ومن وسط الدمار والسنوات الطويلة من القتل والتدمير الممنهج والحصار الخانق والتجويع المتعمد، يقف الشعب اليمني اليوم أكثر صلابة وأشد بأساً وأمضى إرادة، وكما يؤكد الواقع، فإنه "يحق لشعبنا العزيز أن يرى جراحه تثمر عزاً، وآلامه تستحيل نصراً، وأن يفخر بثورته ويعتز بقيادته ويثق بصوابية نهجه".
وما يميز المسيرة التحررية لثورة 21 سبتمبر هو ارتباطها العضوي بالوعي العالي والإيمان العميق الذي يمتلكه أبناء الشعب اليمني الأبي، والذي اقترن بالتضحية والفداء والصبر الأسطوري على مدار سنوات المواجهة. لقد انطلق هذا الشعب من منطلق الثقة المطلقة بالله والتوكل عليه، مستنداً إلى هويته الإيمانية وثقافته القرآنية، ليتمكن بفضل الله من بناء جيش قوي، منظم، ومتسلح بالقرآن، متولٍ لأولياء الله ومعادٍ لأعدائه. ومن قلب هذا الثبات وهذا الإيمان الصادق، تحققت المعجزة اليمنية في التصنيع العسكري؛ حيث تمكن أبناء اليمن الأحرار من صناعة وتطوير الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة الحديثة والمتطورة والدقيقة، لتتحول مقدرات المستحيل إلى واقع ردع يزلزل عروش المستكبرين.
وقد امتدت ثمار هذه الثورة المباركة لتصنع معادلات ردع استراتيجية غيرت وجه الصراع في المنطقة والعالم بأسره. فقد سطر أبطال القوات المسلحة اليمنية ملاحم بطولية خالدة وتضحيات عظيمة في كافة جبهات العزة والكرامة على امتداد الوطن وفي كل الميادين، وتكللت هذه البطولات بتحقيق انتصارات نوعية ومؤثرة في كل الجبهات، وكان آخرها ما حصل من انتصارات عظيمة في محافظة الجوف والساحل الغربي، حيث مرّغ الأبطال أنف الغزاة والمرتزقة بالتراب، وأثبتوا قدرة اليمني المؤمن على حماية أرضه وعرضه وتطهير كل شبر من دنس الاحتلال والارتزاق.
وتجسدت هذه القوة الميدانية المتصاعدة في فرض معادلات استراتيجية كبرى على مستوى المعركة، على رأسها فرض معادلة "الحصار بالحصار" على العدو السعودي واستهداف منشآته الحيوية بدقة متناهية، إلى جانب السيطرة الكاملة على باب المندب وتضييق الخناق على قوى العدوان ومفاصل الملاحة المعادية، وصولاً إلى الدور التاريخي المشرف وغير المسبوق في إسناد الشعب الفلسطيني المظلوم في قطاع غزة؛ حيث أكدت الوقائع أن "ثورة 21 سبتمبر منعت الملاحة الإسرائيلية من المرور في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي وصولاً إلى المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط"، مؤكدةً أن وقوف اليمن قيادةً وشعباً مع غزة هو ثمرة حية لاستقلال القرار الوطني وثبات الموقف تجاه القضية المركزية الأولى للأمة "القضية الفلسطينية"، وهدفاً راسخاً في تحرير كل شبر من أرض فلسطين واليمن على السواء.
وفي سياق محاولات العدو المستميتة لتشويه هذا الموقف النبيل وصرف الأنظار عن جرائمه، دأب النظام السعودي على الترويج لأكذوبة تاريخية كبرى مفادها استهداف اليمن لمكة المكرمة بصاروخ بالستي، في محاولة بائسة لاستعطاف مشاعر المسلمين واستغلال العواطف الدينية. غير أن هذه الكذبة الممنهجة سقطت سريعاً أمام وعي الأمة وبصيرة أحرارها؛ فالجميع يعرف اليمنيين وأخلاقهم الرفيعة وحبهم العميق وتقديرهم المقدس للمقدسات الإسلامية. ومن كان يدافع بدمه وموقفه عن غزة وفلسطين لا يمكن عقلاً ولا ديناً أن يستهدف مكة المكرمة، خصوصاً وأن النظام السعودي نفسه وقف صامتاً متخاذلاً ولم يدافع عن مكة عندما أهانها المجرم ترامب علانية وبدون رد. إن الخطر الحقيقي على مقدسات الأمة وعلى مكة المكرمة يأتي من اليهود والصهاينة، لا من اليمنيين الأحرار الذين تجسد فيهم الوفاء والغيرة الدينية.
وهنا يبرز السقوط المحتوم للنظام السعودي الذي أفسد في الأرض وسفك دماء المسلمين في كل البلدان العربية والإسلامية بسلاحه وماله، وبات الداعم الأساسي والراعي الرسمي للجرائم الأمريكية والإسرائيلية، متغنياً بالزور والبهتان بحماية مكة بينما يسخر مقدراته وأمواله لخدمة أعداء الإسلام وتدمير شعوب المنطقة. إن هذه الممارسات لا تزيد الأمة إلا يقيناً بقرب زوال هذا النظام المارقي ونهايته المحتومة أمام صحوة الشعوب الحرة.
إن مسيرة ثورة 21 سبتمبر ماضية بثبات وعزم نحو تحقيق أهدافها الكبرى في التحرر الشامل وبناء اليمن القوي والعزيز، مستندةً إلى رؤية قرآنية واعية وبصيرة نافذة لقائد الثورة، السيد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي (يحفظه الله)، الذي يمثل صمام أمان هذه الأمة ورمز عزتها وكرامتها. إن توجيهات السيد القائد ورؤيته الحكيمة تتجسد اليوم واقعاً معاشاً على الأرض؛ عزةً، وشموخاً، وقوةً لا تكسر، مؤذنة بنهاية عصر الاستكبار والوصاية، وبزوغ فجر جديد للأمة الإسلامية يمتد من صنعاء الإيمان والشموخ إلى عتبات النصر الكبير والقدس الشريف.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

