أميركا تخسر قبضتها على العالم
السياسية || محمد محسن الجوهري*
خسرت أمريكا حربها في اليمن، ولجأت إلى سلطنة عمان لتضمن لها مخرجاً بعيداً عن ربيبتها الصهيونية، وقد كانت تلك الهزيمة مقدمة لما هو أكبر من الهزائم، وها هي واشنطن تستجدي العالم ليساعدها في فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً لولا عدوانها على الجمهورية الإسلامية، ولا نستبعد أن تتلقى الهيمنة الأمريكية ضربة أخرى في حال وسعت عدوانها على العالم واصطدمت بالمزيد من الدول والشعوب، وقد يجرها ذلك إلى مواجهة مباراة مع التنين الصيني الذي يراقب الوضع عن كثب، وبات على يقين بقدرته الفائقة على توجيه المزيد من الضربات الموجعة للغرب على الأصعدة كافة، وأولها الاقتصاد، حيث تحتل بكين اليوم المكانة الأولى عالمياً فيما تغرق واشنطن في عجزٍ مالي يفوق ميزانيتها العامة.
وبالنسبة للعرب، فأمامهم فرصة عظمى -وربما أخيرة- للتحرر من هيمنة المستبدين الموالين للإمبريالية الصهيونية، وفي حال قرروا التحرر فسيوفرون على أنفسهم الكثير من الشقاء والاقتتال الداخلي الذي تغذيه واشنطن وأذنابها العرب، ولعل الإعلان العراقي القاضي بإنهاء ما سماه بـ"المهمة العسكرية للتحالف" وفق التوقيتات المتفق عليها، يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، ويمهد لاستقلال العراق الذي تهيمن عليه واشنطن منذ عقدين ونصف تقريباً، وقد يتلو العراق غيرها من الأنظمة العربية التي تدرك اليوم هشاشة الحماية الأمريكية، وبأن واشنطن تستثمر في الصراعات، ليس إلا.
أما سورية، وبالرغم من حجم الكارثة على الشعب السوري، إلا أنها تقدم نموذجاً صريحاً على العواقب الوخيمة جراء المشاريع الخارجية، وكيف أن التكفيريين والصهاينة يعملون معاً على خطٍ واحد، وأن الاستمرار في هذا الطريق يهدف إلى تهجير الشعب السوري من أرضه كجزء من مخطط "إسرائيل الكبرى" الهادف إلى استنساخ التغريبة الفلسطينية في دول الطوق والبداية من سورية ثم الأردن ومصر وسائر الشعوب العربية.
والشعوب اليوم مطالبة بالتحرك بعيداً عن الأنظمة للدفاع عن وجودها، وليس سوى المشروع القرآني يضمن لها العيش بكرامة على أرضها، ولنا في اليمن نموذجاً معبراً عن عظمة الأحرار إذا تحركوا تحت راية لحق لحماية أمنهم القومي، والمشروع قابل للاستنساخ لدى الشعوب الأخرى الطامحة إلى التحرر، سيما أن المشروع بكل تفاصيله مستمد من الكتاب الكريم، ويمثل الحل الإلهي لواقع الأمة المأزوم، وفي الإعراض عنه كل الشقاء الذي حذر منه الله في سورة "طه" لأن في الإعراض شكل من أشكال التكبر على المشروع الإلهي في الأرض، سيما وقد رأينا كيف أن كل أشكال الحكم العلمانية والنفاقية قد فشلت في حماية الأمة من التصهين والخنوع.
وبالتالي فإن استمرار التراجع الأمريكي والتشظي في معسكر الاستكبار يفتح الباب على مصراعيه أمام بروز نظام عالمي متعدد الأقطاب، لا يكون فيه مكان للسياسات الأحادية أو الغطرسة العسكرية. وإن خلاص الأمة الإسلامية والعربية مرهون بالعودة إلى هويتها القرآنية واستنهاض طاقاتها الكامنة، التزاماً بالمنهج الإلهي الذي يرفض الاستكانة والتبعية، مصداقاً لقوله تعالى في سورة آل عمران: {﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾}.
ومن هنا، فإن بناء وعي جمعي يستند إلى قيم الحرية والعزة والعدالة يمثل الضمانة الوحيدة لإسقاط المشاريع التآمرية، وتدشين عصر جديد من الاقتدار الذاتي والاستقلال الناجز الذي يحفظ كرامة الإنسان ومقدرات الأوطان.
فيما التخبط المتسارع في الاستراتيجيات الأمريكية يعكس حالة من التآكل البنيوي في قدرة واشنطن على فرض إرادتها الأحادية، حيث باتت خياراتها تقتصر على محاولة احتواء التداعيات وإدارة الأزمات لا صنعها.
وفي هذا السياق، يبرز التلاحم الشعبي والمقاوم في المنطقة كقوة ردع حقيقية تعيد رسم الخرائط السياسية بعيداً عن الهيمنة الغربية، وهو ما ينسجم مع السنن التاريخية في تداول الأمم وسقوط المستكبرين، مستشهدين بقوله تعالى في سورة القصص: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. وهذا التحول الواعي ينذر بنهاية عصر الوصاية، ويؤسس لمرحلة جديدة تصنع فيها شعوب المنطقة مصيرها بيدها عبر التكامل والتضامن الاستراتيجي العابر للحدود.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

