دور واشنطن وأدواتها في حرب 94 وما بعدها
السياسية || محمد محسن الجوهري*
في يوليو 1994، نشرت مجلة الوعي الكويتية مقالاً بعنوان "أميركا وأزمة اليمن" للكاتب محمد موسى، يتحدث عن أحداث حرب الانفصال التي لا تزال قائمه في حينه، ويكشف الدور الأميركي في خلق الفوضى اليمنية وتثبيت الانفصال، وكيف بدأت الحرب من واشنطن قبل عدن أو صنعاء، بالرغم من أن الولايات المتحدة أعلنت غير ذات مرة تأييدها للوحدة اليمنية.
وبحسب موسى، فإن علي سالم البيض، نائب الرئيس في اليمن، انتقل من المعسكر الاشتراكي الثوري إلى المعسكر الرأسمالي الإمبريالي بمجرد أن وطأت قدماه أرض العم سام في صيف 1993، حيث التقى بنائب الرئيس الأميركي "آل غور" ومع عددٍ من مسؤولي المخابرات المركزية سي آي إي، وتزامن ذلك مع إرسال إدارة بيل كلينتون لمبعوثها "روبرت بيلليترو" إلى صنعاء ولقائه بالرئيس الأسبق علي عبدالله صالح، ليتبع ذلك تصعيدٍ سياسي وعسكري من الجانبين.
وخلال فترة وجيزة، ذهب علي سالم في جولة خليجية بدأت بالرياض كان الهدف منها تكريس الانفصال، فيما عمد صالح إلى تصفية القيادات الجنوبية في الشمال ومحاصرة المعسكرات الجنوبية في عمران وذمار لتأجيج الوضع وتعميد المشروع الانفصالي وإيجاد مبررات قوية لدى الجنوب للمضي في هذا الخط، وهو المسار الذي تم بالفعل وحسب المخطط الأميركي الداعم للطرفين رغم تباين المواقف بينهما.
ولم يكن الدور الأميركي معزولاً عن أدواته الإقليمية، فقد شاركت الرياض والقاهرة في تأجيج الوضع لصالح البيض، وتصوير الوحدة بأنها مشروع احتلال، وهذه هي الرؤية الأميركية التي ترى في يمن موحّد وقوي تهديداً لمعادلات النفوذ الإقليمي. فإبقاء اليمن ضعيفاً ومفككاً يخدم مصالح واشنطن وحلفائها، لأنه يمنع تشكّل قوة سياسية أو جغرافية قادرة على الخروج من دائرة التبعية.
وبالفعل، فما ذكره موسى عن الدور الأميركي كان منطقياً، إلا أن واشنطن لم تحسب حساب حرب قصيرة الأمد، فقد توقع الأميركيون اندلاع حرب شاملة بين الشمال والجنوب على المدى الطويل، بحيث تتحول الوحدة إلى مشروع انتحاري دموي، ولذلك لم تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً كما لم تقم الأمم المتحدة بدورٍ جوهري لإنهاء الصراع على أمل أن يتم ذلك لاحقاً بعد سنوات من الإقتتال بين الشعبين.
وقد اضطرت واشنطن لاحقاً، حسب المقال، إلى مباركة الانتصار الذي حققه نظام صالح على البيض، حتى لا تظهر الولايات المتحدة في موقع المهزوم، وكي لا تبدو أجنداتها الداعمة للإنفصال غير مجدية في هذا الحرب، إلا أن هذا لا يعني أن تغض الطرف عن وحدة اليمن إلى الأبد، فلها أدوات إقليمية قادرة على تأجيج الوضع في الجنوب مستغلةً التجاوزات التي ارتكبها نظام الشمال بحق إخوانهم الجنوبيين، وهذا ما حدث بالفعل، فالسعودية والإمارات تبنتا المشروع الإنفصالي منذ تأسيسه، قبل أن يتحول ذلك إلى تحالفٍ علني منذ انطلاق العدوان على اليمن في مارس 2015.
وكما يعرف الجميع، فإن عيدروس الزبيدي ورفاقه من الانفصاليين، كانوا يرفعون العلم التشطيري ويرفعون الشعارات المناطقية المناهضة للوحدة، كما ارتكبوا عشرات المجازر وجرائم القتل ضد الشماليين في عدن والمحافظات الجنوبية، على مرأى ومسمع ودعم القوات السعودية والإماراتية.
أما عن دعم النظام السعودي الشكلي للوحدة اليمنية بعد أحداث حضرموت الأخيرة، فهو يعبر عن خيبة أمل كبرى له بعد الهزيمة المدوية لمشروع عاصفة الحزم، فقد كان المخطط تقاسم الجنوب والشمال بين أبوظبي والرياض، إلا أن الأخيرة لم تحظ بحصتها بعد أن اصطدمت بمقاومة بطولية لرجال الرجال من أبناء الجيش واللجان الشعبية في الشمال، الأمر الذي دفع السعودية إلى إعادة حساباتها والمطالبة بالحفاظ على الوحدة اليمنية، ومن هنا جاءت تصريحات مسؤولين إماراتيين تطالب خصومهم في المملكة بالتوجة إلى صنعاء بدلاً من الذهاب إلى حضرموت والمهرة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

