كيان الأسدي*

لا يخفى على المتابع الدقيق لمجريات الأحداث في الشرق الأوسط أن المشهد الأمريكي يزداد التباسًا يومًا بعد آخر؛ إذ تُبَثّ الأخبار تارةً عن تقليص عدد القوات الأمريكية في قواعد المنطقة، وتارةً أخرى تكشف الوقائع عن تعزيز هذا الوجود عسكريًا، سواء عبر سلاح الجو أو منظومات الدفاع الجوي كـ باتريوت وثاد التي جرى نشرها مؤخرًا. ويُضاف إلى ذلك أن السياسة الأمريكية درجت على التكتم بشأن أعداد قواتها وقواعد انتشارها، تحت ذرائع السرية العملياتية أو تفادي الاستهداف.

حتى إعلان الانسحاب من قاعدة عين الأسد لا يمكن التعامل معه بوصفه حدثًا استثنائيًا؛ فليس هذا الإعلان الأول من نوعه، إذ سبق أن استخدمت واشنطن الأسلوب ذاته في محطات سابقة، ليكون الانسحاب في جوهره إعادة تموضع، كما حدث في قواعدها المنتشرة شرق سوريا. وهذه المرة يأتي الإعلان في سياق استعدادات ميدانية لمواجهة محتملة مع إيران، يسعى من خلالها ترامب إلى ترتيب ضربته المحتملة مع تقليل كلفة الرد الإيراني إلى أدنى حد ممكن.

من هنا، تبدو المراوغة سمة ثابتة في السلوك الأمريكي؛ فلا يمكن الوثوق بإعلانات الانسحاب الشكلية من هذه القاعدة أو تلك، إذ اعتادت واشنطن ببساطة تغيير توصيف قواتها من مقاتلين إلى مستشارين، فيما تُجبر الدولة المضيفة، بحكم الأمر الواقع، على غض الطرف وقبول الأمر الواقع.

ولا ينفصل هذا الوجود العسكري عن تطورات المشهد السوري، ولا سيما ما يجري بين قسد وجماعات الجولاني، من إخراج إرهابيين من سجن الشدادي تحت أنظار طيران التحالف الدولي، والسيطرة على سجون أخرى، وصولًا إلى مخيم الهول. ويأتي ذلك متزامنًا مع ما أعلنته القيادة الأمريكية الوسطى بشأن نقل سجناء إرهابيين إلى الأراضي العراقية بموافقة رسمية. وتشير بعض التقارير إلى أن رئيس الوزراء المنتهية ولايته، في تواصله مع الجولاني، كان من اقترح نقل هؤلاء إلى السجون العراقية بعد إبداء الجولاني خشيته من فقدان السيطرة عليهم داخل سوريا، لتأتي بعدها مباركة التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، لهذه الخطوة.

ويُسَوَّق لهذا الإجراء على أنه ضرورة أمنية، بحجة أن بقاء هؤلاء أحرارًا يشكل خطرًا مباشرًا على العراق، وأن احتجازهم داخل السجون العراقية يضمن السيطرة عليهم ويحول دون إعادة تنظيم صفوفهم. غير أن هذا التبرير يتجاهل خطرًا أكثر تعقيدًا، يتمثل في احتمالات تهريبهم أو تحريرهم من داخل السجون العراقية، وهو ما يجعل تهديدهم أشد وقعًا مما لو كانوا خارج الحدود. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما مبرر تسلّم العراق لسجناء أجانب على أراضيه؟ ولماذا لا يتم ترحيلهم إلى سجون دول عربية أو إلى تركيا، وهي أطراف ترتبط بعلاقات وثيقة مع الجولاني، وكانت أساسًا من الداعمين له؟

إن مجمل الخطوات الأمريكية، من التخلي عن قسد، إلى تفريغ السجون من بعض عناصر الجولاني ونقل آخرين، يوحي بأن واشنطن ترتّب لحيلة جديدة في المنطقة، مستخدمة أدوات داعشية مُعاد تدويرها، وربما بالتزامن مع أي هجوم محتمل على إيران. وقد تُكلَّف هذه الأدوات (الجولاني وعصاباته ومن أُعيد إنتاجهم) بمهمة الإشغال وخلق فوضى شبيهة بتجربة داعش السابقة، في الأنبار العراقية وطرابلس اللبنانية، تحت ذريعة خلايا التنظيم، وبدعم أمريكي خفي من تحت الطاولة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور الأيدي الإماراتية والقطرية والتركية، بوصفها أدوات للمشروع الأمريكي–الإسرائيلي، ولا سيما في محافظات غرب العراق، حيث تتخذ لبوسًا مدنيًا اقتصاديًا عربيًا، وأخرى لبوسًا عسكريًا تركيًا واضح المعالم، يتجسد في قواعد احتلال معلنة ومشاريع لا تخفى أبعادها.

* كاتب عراقي
* المقال يعبر عن رأي الكاتب