السياسية || محمد محسن الجوهري*

الحديث عن عبادة المال يرافقه دوماً اسم “علي البخيتي” باعتباره النموذج الأبرز في اليمن والذي دفع دينه وكرامته مقابل المال وإرضاء المجتمعات الغربية، لكن البخيتي ليس حالة نادرة في واقعنا، فأغلب السياسيين يتعاملون مع المبادئ العظيمة، كالدين والوطنية، على أنها استثمارات خاضعة لمعطيات سوق العرض والطلب ولك أن تستعرضها جميعاً لترى بأن قادة العمل الحزبي في اليمن لا يقلون إلحاداً عن البخيتي وإن كان هو أكثرهم جرأة في معصية الله.

ولعل أكبر مثال على تجارة الدين والمبادئ يتمثل في شخص الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، فليس له موقف معلن إلا وله موقف آخر مناقض له في الاتجاه والمبدئ، ومهما تسمع منه كلاماً قد تستحسنه ستسمع منه آخر يختلف معك جذرياً وهذا نتاج التنشئة المادية وغياب الوازع الديني، وحتى المبادئ العامة كالسمعة والصيت، فإنها على الأقل تمنع البعض من التنقل بين المواقف بلا ضابط أو معيار.

ومواقف عفاش من أنصار الله هي الأكثر تناقضاً على الإطلاق، وجميعها موثقة، سواءً معهم أو ضدهم، وكل دوافعه في ذلك هي المصالح لا المبادئ، وقد تكرر ذلك مع سائر الفرقاء السياسيين في اليمن، من الناصريين والاشتراكيين وحتى جماعة الإخوان المسلمين، أو ما كان يُعرف باسم “حزب الإصلاح” إلى عهدٍ قريب.

وبالحديث عن الإصلاح، فإن تصريحات اليدوي الأخيرة التي نفى فيها علاقة الحزب بجماعة الإخوان هي الشاهد الأكبر على تناقض الدين والمصالح في اليمن، فحزب الإصلاح قدم نفسه في الماضي كفرع لجماعة الإخوان، ولليدومي تصريحات بهذا الشأن على قناة الجزيرة، واليوم يتبرأ بنفسه عن حركة الإخوان ويزعم أن الإصلاح حزب يمني تأسس وفق الدستور لتحقيق أهدافٍ وطنية وحسب.

والوطنية في قاموس الإصلاح كانت من الكفر قبل أن يرتد اليدومي وإخوانه عن جماعتهم الأم حتى لا يكون والأخضر الفلسطيني في قاربٍ واحد، وحتى لا يخسر الدعم السعودي والإماراتي والمشروط بمرحلة جديدة عنوانها “الوطنية” في خدمة المشروع الصهيوني، والذي بدوره يشترط معاداة القضايا القومية للأمة وإذكاء الصراعات الدخيلة بدلاً عنها.

ولو اتجهنا جنوباً لوجدنا ما هو أعجب من فرقاء الشمال، فالمجلس الانتقالي الجنوبي جنوبي فقط في الاسم، أما سائر مبادئه فإنها خاضعة لرغبات الممول الإماراتي، ولا علاقة لها بمظلومية الشعب الجنوبي لا من قريب ولا بعيد، ولكن الزبيدي يمثل تلك القضية لما رضي لأنصارها أن يكونوا أرخص مرتزقة بالعالم، وأن يموتوا بالآلاف في مناطق الشمال نيابة عن أطراف شمالية لا تغامر بمخزونها البشري.

أما عن الأطراف اليسارية في اليمن فحدث ولا حرج، فالناصري والاشتراكي لا يعرفان عن تيارتهما سوى الانحلال الأخلاقي وشرب الكحوليات، وما دون ذلك فضمن المناطق المعتمة في ثقافتهم، ولولا ذلك الجهل ما رأينا قادة التيارين يرتمون في أحضان ما كانوا يسمونه بالماضي “الرجعية العربية”، ولما انتصروا لجمهوريتهم المزعومة من قلب أكثر الأنظمة عداوةً للحكم الجماهيري، ولكنها عقيدة المال لا عقيدة المبادئ.

وفي الختام، يتبين أن أزمة العمل السياسي في اليمن لا تكمن في صراع البرامج أو الرؤى بقدر ما هي أزمة أخلاقية وقيمية، حيث تحولت المبادئ والشعارات الكبرى إلى سلع تُعرض وتُطلب في أسواق التبعية والارتزاق. وإن هذا السقوط المريع للنخب الحزبية والسياسية، بمختلف توجّهاتها، يحتم على أحرار الشعب اليمني إدراك أن بناء دولة عادلة ومستقلة لا يمكن أن يُبنى على أنقاض الذمم المشتراة، بل يتطلب مشروعاً وطنياً خالصاً ينبع من إرادة الشعب ويعيد الاعتبار للكرامة الوطنية والدينية بعيداً عن الوصاية والعمالة للخارج.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب