استراتيجية صنعاء التي غيّرت الموازين وصاغت معادلة الحصار بالحصار
قراءة تحليلية في التحول الاستراتيجي وإعادة تشكيل قواعد الصراع
طوفان الجنيد*
إن التحولات الجيوسياسية والعسكرية الكبرى التي اعتمدتها القيادة السياسية لحكومة صنعاء تكاد ترقى إلى مستوى غير مسبوق؛ إذ لم تعد إدارة الصراع في اليمن والمنطقة تسير وفق قواعد اللعبة التقليدية التي اعتادت القوى الإقليمية والدولية فرضها.
فقد شهد المسرح الجيوسياسي تحولاً فارقاً تمثل في تبني القيادة السياسية والعسكرية لحكومة صنعاء استراتيجية حاسمة أدت إلى تغيير الموازين وقلب الطاولة بالكامل، حيث أُعيد من خلالها رسم قواعد الاشتباك، ونُقل الصراع من مربع امتصاص الصدمات والدفاع التقليدي إلى مربع الهجوم الاستراتيجي، وفرض الواقع الميداني، والندية الكاملة، وصولاً إلى صياغة معادلة «الحصار بالحصار».
من الحصار الأحادي إلى الردع الاستراتيجي
استندت هذه الاستراتيجية الشاملة إلى مجموعة من التكتيكات السياسية والعسكرية والاقتصادية، مدعومة بتحليلات استخباراتية عميقة، أدركت من خلالها القيادة السياسية لحكومة صنعاء أن المراهنة على خيارات الانتظار، أو التعويل على الأروقة الدبلوماسية والمفاوضات المؤجلة لفك الحصار عن موانئ الحديدة ومطار صنعاء، وصرف مرتبات الموظفين، لم تعد مجدية أمام سياسة المماطلة وتجميد الاستحقاقات.
ومن هذا المنطلق، صاغت صنعاء رؤيتها لإنهاء المفهوم الأحادي للحصار، وتحويل ورقة الضغط الاقتصادي والملاحي، التي يُمارس بها التضييق على الشعب اليمني، إلى ورقة ردع وتهديد مباشر تمس شرايين الإمداد الاقتصادي للعدو السعودي، وتمتد آثارها إلى أسواق الطاقة العالمية.
وتتلخص أبعاد هذا التحول في إنهاء أحادية التأثير عبر تحويل الحصار إلى كلفة باهظة ومباشرة تتوزع على خطوط الشحن، ومناطق إنتاج الطاقة، وسلاسل التوريد التابعة للعدو، بالتوازي مع فرض السيادة البحرية، والانتقال من حماية المياه الإقليمية اليمنية إلى الامتداد العملياتي في البحر الأحمر، وباب المندب، وخليج عدن، وصولاً إلى بحر العرب والمحيط الهندي. كما ربطت صنعاء بين الأمن الإقليمي والعدالة الاقتصادية، وألغت عملياً إمكانية فصل الملف الإنساني والاقتصادي لليمن عن أمن وحرية الملاحة، لتصبح حرية تدفق التجارة عبر الممرات الحيوية مرهونة برفع الحصار الشامل والاستجابة لحقوق الشعب اليمني.
ولم تكن استراتيجية صنعاء مجرد شعار سياسي أو استعراض إعلامي، بل تُرجمت إلى خطوات عملية وهيكلية جمعت بين التطور العسكري والتماسك السيادي الداخلي، بدءاً بالجهود المكثفة في التصنيع العسكري، وإنتاج الصواريخ الباليستية والمجنحة المضادة للسفن، والزوارق البحرية المسيّرة الذكية، والألغام البحرية، والطيران المسيّر، بما مكّنها من فرض منطقة حظر ملاحي قسري عالية الدقة، دون الحاجة إلى أسطول بحري تقليدي.
كما أسهم الربط التقني والمعلوماتي بين وحدات الرصد والاستخبارات البحرية والقوة الصاروخية داخل غرفة العمليات في إيجاد قدرة تنفيذية متقدمة على تتبع الحركة الملاحية واستهداف الناقلات المخالفة للقرارات بدقة عالية، وعلى امتداد مساحات بحرية واسعة. ويُضاف إلى ذلك تعزيز بنية الاقتصاد المقاوم، وحماية الاستقرار النقدي، بما وفر للجبهة الداخلية قدراً أكبر من الصمود، ومنح القيادة السياسية استقلالية في القرار، وهامشاً واسعاً للمناورة بعيداً عن الضغوط الخارجية، مع تأطير هذه الإجراءات إعلامياً وسياسياً باعتبارها إجراءات ردع سيادية مشروعة في مواجهة الحصار واحتجاز المرتبات.
وتجلت التطبيقات الميدانية لاستراتيجية قلب الطاولة بوضوح من خلال فرض الحظر الملاحي الفعلي، والتنفيذ الصارم للتحذيرات في عرض البحر، حيث أدى الاستهداف المباشر للناقلات المخالفة، وتلقي بعضها ضربات دقيقة، إلى إجبارها على التراجع وإلغاء رحلاتها.
وأحدثت هذه العمليات انعكاسات مباشرة على حركة التجارة الدولية، تمثلت في ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن العابرة للممرات المستهدفة، واضطرار عدد من شركات النقل البحري المتجهة إلى الموانئ السعودية إلى تحويل مساراتها عبر طريق رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي تسبب في زيادة زمن الرحلات، وارتفاع تكاليف الشحن والوقود، وإرباك سلاسل التوريد، وخلق حالة من عدم اليقين في أسواق الطاقة والنقل البحري، وهو ما دفع العديد من القوى الدولية والإقليمية إلى إعادة تقييم جدوى استمرار الحصار على اليمن.
إن ما حققته صنعاء عبر استراتيجيتها، التي غيّرت الموازين، وقلبت الطاولة، وصاغت معادلة «الحصار بالحصار»، يتجاوز حدود التكتيك العسكري العابر، ليشكل إعادة هيكلة شاملة لقواعد الصراع في المنطقة. فقد وضعت المجتمعين الدولي والإقليمي أمام واقع جديد مفاده أن أمن الملاحة والاستقرار الاقتصادي لا ينفصلان عن إنهاء الحصار على اليمن، وأن استمرار هذا الحصار أصبح خياراً بالغ الكلفة وغير قابل للاستدامة.
ويبقى الطريق الوحيد نحو التهدئة والاستقرار مرهوناً بالرفع الشامل للحصار، والاستجابة للاستحقاقات الإنسانية والسيادية للشعب اليمني، ليعيش حراً، عزيزاً، مستقلاً. ويعلم الجميع أن يمن اليوم ليس يمن الأمس، وأن من لم يؤدبه الزمن ستؤدبه اليمن.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

