بقلم/ حزام الأسد*

منذ اثني عشر عامًا، يحاول العدو السعودي تسويق روايةٍ تقول إن عدوانه ليس على الشعب اليمني، وإنما على فئة محددة. غير أن الوقائع التي صنعها بنفسه كانت كفيلة بإسقاط هذه السردية، حتى أصبحت تناقضها أفعاله أكثر مما يرد عليها خصومه.

وقبل مناقشة هذه السردية أصلًا، تبقى حقيقة لا يمكن تجاوزها؛ إذ ليس من حق أي دولة، تحت أي ذريعة، أن تشن عدوانًا على دولة مستقلة، أو تتدخل في شؤونها الداخلية، أو تفرض عليها الحصار، أو تحاول فرض وصايتها عليها. فكيف إذا كانت الذرائع التي رُفعت لتبرير ذلك قد أثبتت السنوات أنها لم تمنح هذا العدوان أي مشروعية، لا قانونية ولا أخلاقية ولا سياسية؟

ثم إن العدوان، منذ يومه الأول، لم يميز بين جماعة وأخرى، ولا بين محافظة وأخرى، ولا بين منطقة وأخرى. فقد استهدفت غاراته المنازل والأسواق والمدارس والمستشفيات والطرق والجسور والموانئ والمطارات، وسائر مقدرات اليمن، واستُشهد عشرات الآلاف من النساء والأطفال والمدنيين من مختلف المحافظات والانتماءات. كما فُرض حصار شامل على اليمن كله، وأُغلقت المنافذ، وتعطلت المطارات والموانئ، ونُهبت الثروات، وانعكست آثاره الاقتصادية والمعيشية على كل بيت يمني دون استثناء. وهذه حقائق تؤكد أن الاستهداف كان موجهًا إلى الشعب اليمني بأسره، لا إلى فئة بعينها.

كما أن اختزال المواجهة في إطار فئة محددة يتجاهل حقيقة راسخة في الوعي اليمني، وهي أن العداء السعودي لليمن لم يبدأ عام 2015، بل هو امتدادًا لمسار تاريخي طويل منذ نشأة الدولة السعودية بمراحلها المختلفة، ارتبط بمحطات متكررة من التدخل والاعتداء والصراع مع اليمن. ولذلك لم يتعامل اليمنيون مع عدوان عام 2015 بوصفه حدثًا منفصلًا، بل باعتباره امتدادًا لمسار يعرفونه جيدًا، وهو ما يفسر سرعة التفاف جميع فئات أبناء الشعب اليمني حول خيار الدفاع عن بلدهم وسيادته.

ولهذا، كان من الطبيعي أن تتحول مواجهة العدوان إلى قضية وطنية عامة، لا إلى قضية تخص جماعة أو منطقة. فكلما اتسعت دائرة الاستهداف، اتسعت معها دائرة المواجهة، حتى أصبحت قضية السيادة، ورفع الحصار، واستعادة الحقوق، قضيةً يتبناها اليمنيون من مختلف المحافظات والقبائل والانتماءات.

أما الرهان على مجموعة استجلبها العدو السعودي إلى فنادق الرياض، ومنحها صفاتٍ وألقابًا رسمية لتوفير غطاء سياسي لعدوانه، فلم يغيّر من حقائق الواقع والميدان شيئًا. فالشرعية لا تُشترى بالمال، ولا تُصنع خارج حدود الوطن، ولا تُمنح من الخارج، وإنما تستمد مشروعيتها من الشعب، ومن حضورها في الميدان، ومن قدرتها على حماية الوطن والدفاع عن سيادته وصون مصالح مواطنيه.

والميدان نفسه قدّم روايته طوال اثني عشر عامًا. فعلى الرغم من الغطاء الجوي الكثيف، والتحالفات الدولية، والإمكانات العسكرية والمالية الضخمة، لم يتمكن العدو السعودي من فرض إرادته أو تحقيق أهدافه التي أعلنها عند بدء العدوان. وما استطاع الوصول إليه اقتصر، في معظمه، على التوغل في بعض المناطق الصحراوية أو المفتوحة أو منخفضة الكثافة السكانية، مستفيدًا من تفوقه الجوي والإسناد الذي وفرته له تحالفاته.

أما المناطق التي تضم الكثافة السكانية الأكبر، والتي تحتضن الغالبية العظمى من أبناء الشعب اليمني، فلم يتمكن من اختراقها أو فرض سيطرته عليها، رغم ما ضخه من أموال، وما سخّره من إمكانات إعلامية وعسكرية، وما استعان به من مرتزقة وتحالفات خارجية. وقد بقيت هذه المناطق، طوال سنوات العدوان، بفضل الله، شاهدة على تماسك الجبهة الداخلية، وعلى أن من واجهه لم يكن فئةً معزولة، وإنما شعبًا وجد نفسه مستهدفًا في أرضه وسيادته وحقوقه.

وهذه الحقيقة الميدانية، إلى جانب الحضور الشعبي الواسع في الساحات والميادين، من خلال المسيرات المليونية والوقفات القبلية المسلحة تكشف أن الرهان على عزل القوات المسلحة عن محيطها الشعبي لم يحقق غايته. بل على العكس، أسهم استمرار العدوان والحصار في ترسيخ قناعة لدى كل أبناء الشعب اليمني بأن الدفاع عن البلد والسيادة واستعادة الحقوق مسؤولية عامة، وأن القوات المسلحة تمثل المؤسسة الشرعية التي تتولى الدفاع عن اليمن وسيادته وحقوق شعبه.

واليوم تبدو الصورة أوضح من أي وقت مضى. فالقوات المسلحة اليمنية لم تعد كما كانت في بداية العدوان؛ إذ شهدت، بفضل الله، تطورًا نوعيًا في بنيتها، وتسليحها، وخبراتها، وقدراتها الدفاعية والهجومية، حتى أصبحت معادلات الردع التي تفرضها ثمرة لهذا التطور، وتجسيدًا لإرادة شعب صمد وثبت طوال سنوات العدوان، الأمر الذي أسهم في تغير موازين القوى بصورة واضحة مقارنة بما كانت عليه في السنوات الأولى.

لقد حاول العدو السعودي أن يقنع العالم بأنه يواجه فئةً محددة، لكن ممارساته أثبتت أنه استهدف شعبًا بأكمله. وحاول أن يصنع شرعيةً في الفنادق، بينما كانت الشرعية الحقيقية تُختبر في الواقع والميدان. وحاول أن يحسم المعركة بالتفوق العسكري والمالي والإعلامي، فإذا به، بعد اثني عشر عامًا، يواجه واقعًا مختلفًا، تغيّرت فيه موازين القوى، وأصبحت معادلات الردع تُفرض من اليمن، وأصبح الشعب اليمني، بكل فئاته ومناطقه، أكثر تمسكًا بحقوقه، وأكثر إصرارًا على انتزاعها، حتى يُرفع الحصار، وتُستعاد الحقوق، وتُصان سيادة اليمن واستقلاله.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب