السياسية || محمد محسن الجوهري*

عندما خاطب فرعون قومه بأنه له ملك مصر وأن الأنهار تجري من تحته وغير ذلك من مظاهر الملك، كان يخاطب فيهم غريزة حب المال والجاه، لعلمه أن الكثير من البشر يعشقون المظاهر وبريق الذهب حتى لو لم يصلوا إليه، وهذه العقدة هي سبب انحراف بني إسرائيل لاحقاً وعبادتهم للعجل الذهبي، وهي العقدة نفسها التي جعلت قريش تؤمن لأبي سفيان وأبي جهل أكثر من إيمانهم برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- رغم علمهم بأنه الصادق الأمين، وأن الاثنين أكذب من مشى على الأرض، لكنها عقدة المال وعبادة الذهب.

وأذكر مقولة للفيلسوف الروسي المعاصر فالنتين كاتاسانوف يؤكد فيها أن البشر صنفين: صنف يعبد الله وآخر يعبد العجل الذهبي، وأن الفئة الأخيرة تحلم دوماً بحياة الرفاهية وتنخدع في سبيلها بأي وعود براقة ويكون ذلك سبباً في شقائها، واستدل على نظريته بأسلوب عائلة آل روتشيلد في إدارة الإعلام والسياسة، وكيف يسيطرون على عقول الآخرين ومشاعرهم معتمدين على ثرواتهم من الذهب.

وبما أن البشر لا يتغيرون ولا يتعظون بمصائب الأقوام التي سبقتهم، فهم اليوم ينخدعون بوعود الطغاة طمعاً في أموالهم والحصول على بعض رفاهيتهم تلك، وينتهي بهم الأمر إلى أن يبيعوا بعضهم بعضاً ولا يصلون إلى شيءٍ من طموحهم سوى الشقاء والتخوين والموت بلا كرامة أو قضية، وهذا حال مرتزقة اليمن الذين يتنافسون فيما بينهم على فتات المال السعودي، وقدموا على مذبح ذلك القرابين الكبيرة وجعلوا من أنصارهم ومريديهم أرخص المرتزقة في العالم، خاصة مرتزقة الجنوب، الأرخص كثيراً من نظرائهم في الشمال.

ومع مرور السنوات لا يزال الوضع على حاله، يزداد عبدة المال خضوعاً للمملكة ويزداد محمد بن سلمان تباهياً وغطرسةً، وفي كل مرحلة من مراحل غروره يهلك الآلاف المؤلفة من مرتزقة البلاد من ضحايا العقائد الباطلة الدخيلة على مجتمعنا اليمني، ولا يعرف من يؤمن بها شيئاً عن قيم الكرامة والرجولة بعد أن دجنته الوهابية ليصبح عبداً للدرهم والدينار.

ومما جعل بن سلمان يتباهى بملكه هي انتصاراته على نظرائه من الفراعنة من أمثال شيخ الإمارات وأمير قطر، فقد أثبت لهم أنهم دونه بمراحل وأنه الأقدر على شراء الذمم والاتجار بالبشر، وأن من تحت أقدامه من مرتزقة اليمن أكثر بكثير ممن تحت أقدامهم، والأزمة الخليجية وأزمة ديسمبر 2025 تشهدان على هوان الدوحة وأبوظبي أمام السلطان السعودي للرياض، وقد أجبرتهم تلك الأحداث على الخنوع له أكثر وأكثر، وبات يقدم نفسه كفرعون العصر بلا منازع.

ويتجلى هذا "التفرعن" بوضوح في تحويل مقدرات الأمة وثرواتها السيادية إلى أدوات للهيمنة الفردية وإسكات الأصوات المعارضة، مستحضراً سيرة الطغاة في إلغاء الآخر واستعباد الشعوب؛ فالسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المملكة مؤخراً لم تكن سوى تكريس لسلطة الفرد المطلقة على غرار مقولة فرعون الشهيرة: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، حيث تُستبدل القيم الدينية والأخلاقية بترف زائف ومشاريع عمرانية وبذخ يُراد به إلهاء الشعوب وشراء الولاءات الإقليمية والدولية، لفرض رؤية أحادية لا تقبل الشراكة ولا تعترف بحقوق الإنسان أو كرامته، لتكتمل بذلك ملامح الاستبداد العصرى الذي يجعل من المال سيفاً مسلطاً على رقاق الضعفاء.

وهو بذلك إنما يستعد لمصير فرعون والهلاك على دينه بعد أن خسر كل ذلك أمام عصى موسى عليه السلام والتي جعل منها الله آية ترعب الطواغيت في كل عصرٍ ومصر، فمهما تمادى الطغيان فإنه إلى زوال ولو بأبسط الأسلحة، وما يمتلكه اليوم رجال الرجال في الشعب اليمني كفيل -بإذن الله- أن يذيق بن سلمان ما أذاقته عصا موسى لفرعون، وإذا لم يكن بسلاح الأنصار فبما دون ذلك من الأسلحة، فقدرة الله على البطش أكبر بكثير من قدرة بن سلمان على الظلم، وعندها سيعلم بن سلمان أن نصرة المستضعفين من أبناء الأمة كانت ستنجيه لو أنه نصرهم، لكن أعرض عن ذلك خوفاً على سلطان ونسي أن الملك لله وما دون الله زائل لا محالة.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب