السياسية || تقرير||

في خيمةٍ لا تقي حرّ الشمس ولا برد الليل، يخوض الطفل يونس محمود جمعة (11 عامًا) معركة بقاء يومية، بعدما تحوّل جسده الصغير إلى هيكلٍ أنهكه ضمور شديد وسوء تغذية حاد، بينما يقف الفقر، والنزوح، وانعدام العلاج، حائلًا أمام إنقاذه، في واحدة من أكثر صور المأساة الإنسانية التي يعيشها أطفال قطاع غزة.

ومنذ اندلاع حرب الإبادة، اضطر يونس وأسرته إلى النزوح من منزلهم في منطقة الصفطاوي شمال مدينة غزة، ليستقروا داخل خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. ومع استمرار النزوح وتفاقم نقص الغذاء والدواء، تدهورت حالته الصحية بصورة متسارعة، حتى فقد القدرة على المشي، وأصبح جسده المنهك عاجزًا عن مقاومة المرض.

ولم تكن معاناة يونس وليدة الحرب؛ فقد وُلد فاقدًا للبصر، ولم يعرف من العالم سوى الأصوات، وكان صوت والدته نافذته الوحيدة إلى الحياة. إلا أن الحرب الصهيونية أضافت إلى إعاقته البصرية مأساة جديدة، إذ بات يصارع الضمور وسوء التغذية في ظل غياب العلاج والغذاء العلاجي الذي يحتاجه بشكل دائم.

وتقول والدته، غنيمة جمعة، بصوت يملؤه الألم لـ صحيفة (فلسطين): "لم يبقَ من جسد يونس سوى عظام، كل يوم أشعر أن المرض والجوع يسرقان منه جزءًا جديدًا، وأنا لا أملك سوى الدعاء."

وتوضح أن الظروف المعيشية القاسية جعلت توفير العلاج أو الغذاء المناسب لابنها أمرًا مستحيلًا، مضيفة أنها منفصلة عن والد يونس، ولا تمتلك مصدر دخل أو القدرة على تأمين احتياجاته الأساسية، قائلة: "لم يعد لدي ما أقدمه لطفلي سوى الدعاء، وأن نرفع صوتنا لعل أحدًا يسمع استغاثتي."

ولا تتوقف معاناة الأسرة عند مرض الطفل، فالأم نفسها تعاني من سرطان الغدة والرحم، إلى جانب أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، لكنها تواصل تحمل مسؤولية رعاية أربعة من أبنائها، فضلًا عن ثلاثة من أحفادها الذين فقدوا والدهم بعد استشهاده خلال الحرب.

وتقول: "أنا مريضة بالسرطان والقلب والضغط، لكنني أنسى وجعي عندما أرى يونس يتألم، أخشى أن يسبقني المرض فأتركه دون من يعتني به."

وتعيش الأسرة بأكملها داخل خيمة ضيقة تفتقر إلى البيئة الصحية المناسبة، بينما يظل يونس الأكثر احتياجًا إلى غذاء علاجي ورعاية طبية متخصصة، وهي احتياجات أصبحت بعيدة المنال في ظل الأزمة الإنسانية الخانقة التي يشهدها القطاع.

وتختتم الأم مناشدتها قائلة: "لا أريد شيئًا لنفسي، كل ما أتمناه أن يجد يونس علاجًا وغذاءً يعيدان إليه بعضًا من قوته، أخاف أن أفقده أمام عيني لأننا لم نجد ما ينقذ حياته."

في غزة، لا تنتهي المأساة عند حدود الدمار، بل تمتد إلى أجساد الأطفال الأكثر هشاشة. وهذا الطفل الغزّي ليس مجرد رقم جديد في سجل الضحايا، بل حكاية إنسانية تختصر وجع الحرب؛ طفلٌ وُلد فاقدًا للبصر، ثم وجد نفسه يخوض معركة أخرى مع الجوع والمرض، منتظرًا فرصةً للعلاج قبل أن يسبقه الزمن.