السياســـية: تقرير || صادق سريع*

لأكثر من عقد من الزمن، يردد مرتزقة اليمن شعار "قادمون يا صنعاء" كأنه أرجوزة حماسية من داخل أجنحة فنادق عواصم الرياض وأبوظبي والقاهرة وإسطنبول وعمَّان، وفي الجبهات وعلى شاشات الأخبار ومِنصات الإعلام والتواصل، كحلم يُداعب مخيلة العدو ومرتزقته.

في المشهد اليمني، يرسم الواقع على الأرض لوحة مغايرة لوعود شعار المرتزقة الذي تحوّل إلى انكفاء إستراتيجي، بعد وصول القوات المسلحة اليمنية إلى عقر دارهم واستعادتها مناطق الساحل الغربي بمحافظتي الحديدة وتعز؛ المخا والخوخة وذُباب وباب المندب، وقبلها في مأرب والجوف.

وأمام عبقرية صنعاء والواقع الجيوسياسي اليمني المعقَّد، يتحوّل شعار العدو "قادمون" كبروباغندا دعائية للحرب النفسية وإخفاء عجزه العسكري في الميدان، واسترضاء مرتزقته إلى مادة استهلاكية منتهية الصلاحية، بعد أن دفنته صواريخ ومسيّرات صنعاء في رمال صحاري مأرب والجوف.

وأثبتت الوقائع في الميدان أن الشعار لم يكن مجرد إخفاء لفشل عسكري، بل "مؤامرة سياسية خبيثة" تستهلك طاقات اليمنيين بحروب عبثية، تعاملت فيها "بروباغندا" العدوان مع صنعاء بتعالٍ شديد، ممَّا جعل المحللين الغربيين يصفون شعار "قادمون يا صنعاء" بأنه آلة تعبئة وهمية لا أكثر.

وفي اليمن، يمتزج المشهد السياسي بالشعر، حيث تتحوّل أبياته الشعرية إلى قذائف تخرج من وجدان شاعر ثائر، يختزل في قصيدته مسافات الزمن والواقع السياسي بأسلوب ساخر بإيقاع زامل بات أيقونة للثائرين في اليمن والمنطقة والعالم عنوانه: "صنعاء بعيدة.. قولوا لهم الرياض أقرب".

فكلمات زامل "صنعاء بعيدة"، لم تكن مجرد قافية شعرية أو رد عاطفي، بل كانت ردًّا باليستيًا، كشفت عن عورة شعار "قادمون يا صنعاء" الذي صُنع في مطابخ "بروباغندا" دول العدوان، ليس بكونه خطة عسكرية واقعية، بل كتمائم سيكولوجية تُخفي الهزيمة، كجرعة تخديرية لإبقاء المرتزقة في دائرة الولاء الأعمى وخلف وهم حلم "التحرير".

لو أننا فككنا رموز الشعار، ستجد عجرفة الخطاب الاستعماري تعتبر الدفاع عن الوطن "احتلالًا"، والارتهان للخارج "تحريرًا"، وأمام هذا الانفصام السياسي تبرز تساؤلات على طاولة التحليل النقدي: مِمَّن يريد هذا العدو وأذرعه "تحرير" صنعاء؟ هل من أهلها الذين ينعمون بالأمن والأمان؟ أم من قواتها المسلحة التي تدافع عنها في خنادق الدفاع عن أرضها وسيادتها وكرامة المواطن اليمني ضد دنس العدو والمحتل الأجنبي؟

ولو أننا فحصنا كلمات ذلك الشعار الاحتلالي تحت مجهر المنظار التحليلي، لأصبت أنفك بالزكام من نتانة رائحة الحنين للوصاية الخارجية على اليمن تحت سلطة "المندوبين الساميين" الذين يرتدون مسوح السفراء، الأمريكي والسعودي والإماراتي، وتسليم البلاد لضباط الاستخبارات تحت غطاء بروتوكول السلك الدبلوماسي.

والواقع يؤكد أن شعار "قادمون" لا يحمل غير كوارث ارتفاع أسعار صرف الرِّيال السعودي، من 140 ريالًا في المناطق الحُرة إلى 420 ريالًا في المناطق المحتلة، وارتفاع أسعار المواد الغذائية وكل المنتجات، وعودة الأزمات الأمنية والاقتصادية وتجار السوق السوداء وطوابير البترول والغاز والمنظمات الدَّولية لصرف الصدقات لإفقار الشعب اليمني.

خلاصة القول: إن خلف شعار "قادمون يا صنعاء"، يختبئ مشروع استعماري خبيث يتجاوز بروباغندا الخطر السياسي أو العسكري أو ذرائع العدوان والحصار، يحن لماضٍ رهن اليمن وقراره وإرادة شعبه تحت إبط سفراء الأنظمة الإقليمية والدولية الاستعمارية، كأوصياء شرعيين عليه، ليبقى يمنًا محتلاً، مقسّمًا، تابعًا وضعيفًا.